السبت، 19 يوليو 2014

منصور الصّويم يوهّج اللغة في (ذاكرة شرير) - ممدوح فراج النابي


نتيجة بحث الصور عن ذاكرة شرير


منصور الصّويم يوهّج اللغة في (ذاكرة شرير)
ممدوح فراج النابي*


الكاتب والروائي السوداني يقتحم بروايته 'ذاكرة شرير' عالمَ المهمّشين رَاصِدًا مِن خلالها وعي داخلي مُلاصِق لهم لحياة القاع التي يعيشونها.

عبر ذَاكِرَة مَاكِرٍ وليس شِرّيرًا، يتدفقُ سَرْد منصور الصويّم في روايته «ذَاكِرَة شِرِّير» الصادرة عن الدَّار العربيَّة للعلوم ناشرون، والفائزة بجائزة الطيب صالح في عام 2005، والتي ترجمت إلى العديد من اللُّغات الأجنبية آخرها إلى الفرنسية، بترجمة فرانس مايير، وتأكيدها على صوت سردي لافت يتماسُ مع الأصوات التي قدَّمتها السُّودان وما تزال للحركة الثقافية عامة.


ينحاز الصويّم للإنسان وعلى الأخصّ المهمّش ويكاد يكون صوته غير المسموع ينقله إلى الآخر الذي كان سببًا في تهميشه، فيتخذُ شريحة من المجتمع، ممثَّلة في فِئة الشّمّاسة أو أطفال الشّوارع كخطابٍ مُضَادٍ لما تجهر به أبواق الدولة ومسؤوليها عن حقوق الفرد والمواطن، ومِن عالمهم البائس ينفذُ إلى التهكُّم مِن الوَعْي المتكلِّس الذي قادَ أفراده ليكونوا ضحايا للدّجالين والكذّابين الذين راحوا ينشرون الفَزعَ والوهمَ بين البائسين والمحرومين والضّائعين من أجل الفوزِ بالمالِ، أو حتى نهش أعراضهم من أجل مُتعٍ زائفةٍ، وكأنَّ الصويِّم يضعُ ثالوث الفقر والجهل والمرض سببًا لتفشي هذه الظواهر، وهو في تناولها يتجاوز حدود السُّودان، إلى حدود عالمنا العربي بأجمعه، وأيضًا مُفَكِّكًا لظاهرة الفساد داخل منظومة الحُكم وارتباطه بمصالح شخصية، وكذلك إظهاره الصورة البشعة للفساد من داخل السّجن حيث الطبقيّة التي تُفرِّق بين المساجين في المعاملة، وهي لا تختلف عن الخارج في قهرها للضعيف، ممثّلة في عنبر 17 وشغله بالفاسدين الكِبار مقارنة بعنبر المجرمين اللصوص وعنبر الزنازين الشّرقيّة الذي يمثِّل عِقابًا فادحًا لمَن يخترقون النِّظامَ.


عالم المهمشين


يَقتحِمُ منصور الصويّم بروايته وعبر ذاكرة بطله آدم كسحي، أو كسحي الملك، عالمَ المهمّشين عبر شرائح مُختلِفة مِن المشردين والنازحين والعاطلين والشَّحاذين وأصحاب مِهن هامشية (منهم مَن يبيع السجائر، أو المشغولات اليدوية الرخيصة) ومحاربين قدامى وعَجَزَة، رَاصِدًا مِن خلال وعي داخلي مُلاصِق لهم لحياة القاع التي يعيشونها، وواقعهم المأسوي الذي يغرقون فيه للوحل، ومعاناتهم التي لا تبدأُ مِن قَسوةِ المجتمع، أو تنتهي عند تواطؤ بعضهم على بعضهم، وقسوتهم في ألعابهم التي تتحوّل إلى معارك دماء، بعضهم بلا مأوى والآخر لا يعرف مَن هي أسرته، جمّعهم الشّارع والمخدر الرخيص، بعد أنْ فرّقتهم أسباب كثيرة كالفقر والحرب، فصاروا مجتمعًا موازيًا ينتمون إلى الشَّارع ينامون ويمارسون فيه حياتهم ونزقهم أيضا، لا ينغِّصُ حياتهم سوى مطاردات ومداهمات الشّرطة لهم، حِفاظًا على “مظهر المدينة“، وما أنْ تطولهم لا ترحمهم أداتها المُفْرِطَة، وقد تصل بهم إلى الموت كما في حالة عمران الذي مات برصاصة أحدهم في ثورة غضبه مِن سوءِ المعــاملة، وكأنّ تمردّهم محـفوفٌ بالموت.
عالمهم طريقه ومصيره واحد، ليس أوله السجن وإن كان آخره الموت الذي قد يأتي فجأة على نحو ما جاء للأم مريم كراتية، وأمّ سلمة كبيرة الشّحاذين، وأمّ زين بائعة الشاي، أو بمرض السُّلّ كما داهم سلوى، أو المرض اللعين الإيدز كما حدث لرحمة، أو العودة للشارع كما في حالة وهيبة، فينتشرون في شوارع السُّوق الكبيرة، وأزقتها وأرصفتها، أو يختبئون منها في مخابئهم السَّرية تحت الأرض (في المجاري). معظمهم يعيش مِن بقايا الطَّعام في المطاعم، أو من التّسوّل، أو السَّرقة وغير ذلك مما تلهمهم به حيلهم ومكائدهم، أو ما يدرّه عليهم منظرهم البائس بعكاكيزهم أو بعجلاتهم المُدَولبة، أو بدموعهم المُسْتَعْطِفَة.

لا يقصرُ المؤلف البؤس على عالَم الشّمَّاسة فقط، بل يدير عدسته إلى المدن وأحيائها، حيث هو قابع في البيوت المبنية مِن الجالوص الناعم، ومتحقّق في وجوه الأطفال العُراة المنتشرين في الأزقة والطرقات يعتلون الأسوار المهشّمة ويطاردون عربات الكارو، أو في صورة الرِّجَال الخشنين الذين يستظلون أشجار السدر والهجليج، متسخون يلعبون «الضَّالة» و«صفْر جَّت»، ويمضغون التمباك منتظرين« فرج الرّب».

نص سيري


يتكوَّن النّص من ثمانية فصول تأخذ عناوين مستقلة تبدأُ مِن «مثلث الأسمنت» وتنتهي عند «وسوسة إبليس» ويكاد كُلّ عنوان يكون مُلَخَّصًا لمحتوى الفصل، كما أنّ ثمّة راويًا (أنا) يسيطرُ على البنيّة السّردية، يقترب بالنّص مِن حدود النّصوص السّيرية في نسج حكاية بطله الإشكالي آدم كسحي، ومع هذا فثمّة تنويعٌ في استخدام الضمير، فتارة يلجأ إلى الضمير المخاطب (الأنت)، في عملية تبديل المتكلم إلى مروي له يخاطبه، وتارة يلجأ إلى الضمير الغائب (الهُو) ولكن في مساحة ضئيلة، هذا التنوّع في الخطابات أكسب النَّص زخَمًا وبراعة في التقاط التفاصيل وفهم ما يدور بين السّطور، في ظل غياب كثير من المعلومات بسبب تدفق القص الفرعي. وإن كان ثمة إرباك للقارئ بسبب وعي الشخصية الذي يبدو في بعض الأحيان وعيًا أكبر من محيطها الذي نشأت فيه كما هو الحال في وصفه للسينما ومرة أخرى في نقله نقاشات السجناء المثقفين في عنبر 17، إلا أن هذا لم يمنع من إنسيابية السَّرد.


ينفتح السَّرد على السّجن الذي يقبع فيه آدم كسحي ورفقاؤه، وينتهي إليه، حيث البنية دائرية، وما بين لحظة التذكّر، وسبب دخول السجن الذي يأتي في الفصل الأخير، تهيمن على السّرد ذاكرة عامرة بالتفاصيل، حاضرة في المراوحة بين زمن الحكاية وزمن استعادتها، وهو متحقّق في الفصل الأول حيث يأخذنا الرَّاوي في دهاليز السّجن، ثمّ يخرجُ منه إلى الزمن الماضي حيث طفولة كسحي، الذي نشأ في واقعٍ مزرٍ، منذ أنْ فَقَدَ أمه، وتعهّدت به المتسولات لتربيته وتعليمه فنون ومهارات التسوّل، ثم عمله مع «حاجو محمدو الشيخ» وتعلّمه أصول مهنته كحفظ القرآن الكريم وصنع «البخرات» و«التمائم» و«المحاية»، مرورًا بالشيخ الفاسق الذي أَضافَ إليه الجديد في السحر والمكر، وصولا إلى الحياة المرفّهة مع خليل، بعد ممارستهما النّصب بالوهم والعلاج أو عبر تداعيات الأمّ التي تمثل خيط التواصل مع الماضي، متتبعًا رائحتها في كلّ الأماكن وفي الأشخاص، دون إدانة لها على ما صَار إليه واقعه بل حَمَلَ لها ذكرى طيبة «لا بد أنني كنت أحبّ أمي، ولا بد أنني أحسّ الآن بطعم الخسارة المرّ بفقدها الأبدي، تركتني للشحاذات الصغيرات، وتمضي كي تموت في مبارزة مجنونة»، وعندما غابت أحلّها على صورة الأم البديل وهيبة، وأخيرًا في الماضي الذي يحكيه خليل عن طفولته المشرَّدَة. لا يقفُ الرَّاوي عند شخصية بعينها فشخصياته جميعًا صالحة لأن تكون شخصياتٍ نمطًا فلا فرق بين مريم كراتية التي غابت ما أن دخلت السَّرد، وحلَّت عبر وعي الذَّاكِرة التي تنحاز إليها وفاءً وحبًّا، وبين شخصية حجّة عشّة وسنية الحلبية وأم سلمة وهيبة وسلوى، فجميعها مآسي صالحة لتكون حكاية على حدة.

كما يلعب المؤلف في بناء الشّخصيات على تقنية «الإرجاء» حيث تعود بعض الشّخصيات مرّة ثانية لتدخل نسيج الحكاية كنموذج شخصية سنية الحلبية التي ساعدته في الهروب، ثم تعود إلى دائرة السّرد بدور جديد وِفْقًا للهيئة الجديدة التي حلّت على كسحي، نفس الحال بالنسبة إلى الفتاة البيضاء المسيحيّة، التي كانت سببًا في هروبه الأوّل مِن الشّيخ الفاسق، تعود في نهاية الرواية وتكون أيضا سببًا في سجنه بعدما يُغامر شريكه خليل بوضع المخدر لها ليقتحمها بعدما سَلَبَه جمالها فتموت بين يديه.وهي خيوطٌ متناثرة إلا أنها تجعل من بنية النَّص متماسكة وشخصياتها فاعلة لا عبئا على العمل، يمكن الاستغناء عنها.

هتك الزيف

وفي ظلّ قتامة العالَم الكابوسي الذي قدّمته الرّواية، فليس ثمّة وسيلة أمام هذه الفِئات المطحونة والمشوَّهة، لمقاومة فداحة واقعها إلا الاستسلام لكن رأينا العكس حيث صار التمرّد هو قرينها حتى ولو بدت في بعض مواقفها مستسلمة غير ساخطةٍ أو حتى تبحث عن آخرين تحمّلهم تعاستها، بل سعت الشّخصيات لمجاوزة هذا الواقع، والتمرّد عليه. كما لا يمكننا فهم تمرّد كسحي على العيش في منزل زوج وهيبة فينام على سرير، ويظله سقفٌ وبيتٌ مؤثّثٌ، وأن صراخه في وهيبة «سأموت هنا أريد أن أخرج»، على أنه نَوعٌ مِن الاستسلام لحياة القاع، بل على العكس تمامًا فالشخصية لا تريد أن تكون عالةً على أحد وتسعى للتحرُّر، وهو ما سَاعَدَ في كَسْر الصُّورة النّمطية للكسيح العالة على الآخرين وعلى المجتمع، فيتعلّم مبادئ التسوّل ويبرع فيها ثمّ يحفظُ أجزاء كاملة من القرآن كي يتلوها على أسماع المتشكّكين والمتردّدين، وأيضًا يحفظ الأوراد المعقّدَة، فيبرع في بيعِ الأَوْهام والأحلام لمن يريد.

فكان التعلُّم الوسيلة الأولى التي قاوم بها واقعه، أما الوسيلة الثانية فكانت باكتشاف مواطن تفوقه ونفوذه، وإن كان يرجع الفضل للآخرين في اكتشافها، وقد جعلت له سلطة على غيره، وعلى نحو ما وجد كسحي، في يديه التي كانت مثل المخالب تنشب في المعتدي فتصيبه بالشلل والعجز الكامليْن، وفي شيئه الذي ميّزه وجعله موضع حفاوة وإقبال مِن النساء منذ أنْ اكتشفته رحمة، وأيضًا في عالم السّحر الذي مارسه وجعل الجميع يدين لسلطته كرجال السّجن والضباط ورجال السُّلطة نفسها. أما جماعته فكانوا خلال ساعات اللّيل يحاربون جوعهم وفقرهم المُدْقِع بمخدرات رخيصة كــ«البنقو» و«السلسيون» في انتظار موتهم المحدق، وبجنسهم الجماعي المُنَفِّر إلا أنهم كانوا يستلذون به، وبلغتهم الخاصّة «الراندوك» التي كانت تحميهم من رجال الشُّرطة، وقدرتهم على تجديدها يوميًّا.

أخيرًا، هي رواية مفعمة بالحسّ الإنساني والعواطف الماثلة في الوفاء وعدم النقمة والضغينة، جاءت بلغة شعرية منسابة كالنهر، مبتعدة عن الحوارات الخارجية إلا فيما ندر، منحازة للداخل لتكشف عمق الشخصيات، لذا يميل السَّرد إلى الغنائية التي تتقارب مع السَّرد الملحمي الحزين، فتغرقك في هذا العالم المدقع تارة، وتسمو بروحك في تعاطفك مع شخصياتها دون أن تدين أحدًا منهم بل تجد نفسك في غير موضع مُتحسّرًا على نهايتهم، وفيًا لهم رغم غيابهم تارة ثانية، وهي رسالة جميلة قدمها النّص نخرج بها رغم صِدامية العلاقة التي تجمع أفراده، القائمة على التواطؤ والخيانة. ومن جانب ثانٍ تبدو الرِّواية كفعل تحريض للتغيير ومضادة لكافة الخطابات الأيديولوجيّة القامعة، وهاتكة للزّيف وتكلّس الوعي في ظل انتشار الثالوث المرعب.
*صحيفة العرب اللندنية




ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي