الاثنين، 23 يناير 2017

موجة ثالثة في الرواية السودانية.. روائيون شباب يكتبون رؤيتهم للعالم - منصور الصويم




*موجة ثالثة في الرواية السودانية.. روائيون شباب يكتبون رؤيتهم للعالم
منصور الصويّم
يقود الحراك الروائي مؤخرًا في السودان إلى مؤشرين مهمين بدآ يميزان هذا الشكل السردي من الأدب السوداني. المؤشر الأول كمي يحمل بدوره دلالات ثقافية وظواهر اجتماعية تتيح للمتتبع للتحول الاجتماعي في السودان ملاحظة اتجاه شريحة عريضة من الشباب صوب نافذة الكتابة والفن في محاولة «اجتماعية – سياسية» للتعبير عن طموحاتهم ورؤاهم للعالم. أما المؤشر الثاني فكيفي، ومن خلاله بإمكاننا التحدث عن بروز أصوات وتيارات روائية جديدة، لها سمات الخصوصية من حيث التجربة والإضافة، وهذه الأصوات والتيارات تتخذ مسارًا أكثر تماسكًا من المراحل السابقة لها في الكتابة الروائية في السودان، وذلك من حيث العوامل والأدوات والمعالجات الفنية والتوظيف اللغوي والتوجهات الموضوعية، ومن ثم الإفلات من سياج الأستاذية المدرسية، والخوض في مغامرة الكتابة بحرية أكثر وجرأة أكبر.

التيارات السابقة
يمكنني التحدث بثقة عن موجتين سابقتين في الكتابة الروائية السودانية، الأولى شكلت الإرهاصات والبدايات الأولى للأدباء السودانيين في طرق هذا الشكل الجديد من الكتابة وقتها، وأعني هنا بدايات سنوات الخمسينيات حتى أواسط الستينيات من القرن الماضي. فأعمال كتاب وكاتبات مثل: خليل عبدالله الحاج «إنهم بشر»، وملكة الدار محمد أحمد «الفراغ العريض»، وأبوبكر خالد «الحائط القصير»؛ مثلت الموجّه الأول لما سيأتي بعدها من أعمال، وبالطبع تميزت كتابات هذه المرحلة بتأثرها البين بالأدب المصري، وبالميل نحو الرواية الاجتماعية الرومانسية، ولكنها تجربة مهمة في عملية المخاض السردي العنيف التي ستجتاح السودان بعد ذلك بنحو يزيد عن نصف قرن من الزمان.
أما الموجة الثانية التي أصلت لأدب الرواية في السودان، فبدأت منذ أواسط الستينيات في القرن الماضي، واستمرت بشكل متقطع ومحدود حتى أواخر ثمانينيات ذات القرن؛ لتليها بعد ذلك الموجة الثالثة والتفجيرية التي نلمس تأثيرها الحاد في الأدب السوداني حتى الآن. فكتاب الموجة الثانية امتازوا بما يمكن وصفه بالنقلة الشبيهة بالطفرة الإبداعية والنقدية؛ إذ تميزت أغلب أعمال هذه الحقبة بالنضج الفني والثراء الموضوعي، وإن جاء ذلك في شكل أعمال متناثرة لا يربط بينها أي رابط جمالي – مدرسي أو نقدي، وأبرز كتابها الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، وعيسى الحلو «أيها الوجه الجميل اللامرئي»، ومحمود محمد مدني «جابر الطوربيد» وإبراهيم إسحاق صاحب أعمال «الليل والبلدة» و«مهرجان المدرسة القديمة».
الفراغ العريض
تكاد الحقبة التي أعقبت الموجتين الأوليين قبل بروز الموجة الثالثة أن توصف بالفراغ العريض. فبعد الأعمال المميزة للطيب صالح وعيسى الحلو وإبراهيم إسحاق خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، دخلت الرواية السودانية في حالات سبات طويل ربما امتد لأكثر من ربع قرن، مع وجود ومضات هنا وهناك، تمثلها أعمال منفلتة وأحادية لروائيين من أمثال الدكتور بشرى هباني صاحب الرواية السيكولوجية البديعة «مسرة» في الثمانينيات، وكاتب رواية «الزندية» إبراهيم بشير، الذي نشر عددًا من الروايات المتميزة قبل أن يتوارى في فراغ الثمانينيات وبداية التسعينيات العريض، ثمة تجارب أخرى تميزت باشتغالها على موضوعات ستطفو على السطح من جديد خلال الموجة الثالثة؛ مثل: الروائي مروان الرشيد الذي اشتغل على موضوع الهوية من منظور سردي «مندكورو»، والكاتب صلاح حسن أحمد الذي اغترف من التراث السوداني، وأنتج ملحمة سردية تسائل الحاضر في جمالية موحية ومدهشة في روايته «سن الغزال».
الموجة الثالثة وتشكل التيارات
الموجة الثالثة، أو الموجة التفجيرية في مسيرة الرواية السودانية، بدأت مع نهايات القرن الماضي في عقده التسعيني، واحتدمت واحتدت في العقد الأول من الألفية الجديدة، وتميزت هذه الحقبة بكثافة الإنتاج والنشر، وتعدد الأسماء، وارتفاع مناسيب الاهتمام الأدبي العام بالرواية كجنس سردي منفتح وقابل للتطويع من حيث الاشتغال الفني والجمالي والموضوعي، كما أنه الشكل الأدبي الأكثر طلبًا في السنوات الأخيرة، في مجالي النشر والترجمة، والاستحواذ الإعلامي، إضافة إلى دخول الرواية في السودان أو خارجه إلى حلبة المسابقات ذات العائد المادي الكبير، والنقلة الإعلامية الضخمة لمن يحقق مكاسبها.

أهم ما ميز هذه الموجة عن سابقتيها هو انطلاق كتابها من منصات فكرية وإبداعية مختلفة ومتنوعة، وميلهم إجماعًا إلى كسر قيود المدرسية الأدبية السائدة في السودان في المراحل السابقة لهم، فلا أحد من كتاب هذه الموجة خرج من ورق الملاحق الثقافية للصحف الرسمية أو غير الرسمية، ولا أحد منهم جاء ظهوره بتقديم من كاتب آخر (عرَّاب) سابق له، أو انتخب من داخل صالون أدبي أم درماني نخبوي أو أيديولوجي، فما حدث يشبه التمرد الفوضوي الصادم في بداياته قبل أن يتحول إلى نقطة تأسيسية لكل كاتب روائي جديد. هذا ما يظهر عند فهمنا التفسيري لما تم توصيفه وقتها (بداية الألفية) لدى النقاد المصدومين من سرعة وتيرة النشر الروائي بـ(حمى الرواية) أو حريقها، في محاولة للجم هذا التمدد المتسارع، وإعادة صكوك التعميد إلى مظانها القديمة: (الصحف، والصالون، والأستاذ، والناقد) دون الانتباه إلى التغيرات التقنية والمعرفية الكبرى –ثورة الاتصالات والإنترنت- التي اجتاحت العالم، وأبدلت مفاتيح الأشياء.
أما من حيث السمات الأسلوبية والفنية فيمكنني الإشارة إلى بروز ثلاثة تيارات أساسية ميزت هذه المرحلة من تاريخ الرواية السودانية الحديثة، التيار الأول ارتبط بقضايا السودان الاجتماعية والسياسية الملحّة، ورأى أن وسيلته الفضلى لمساءلتها ومناقشتها هي الرواية، فقضايا الحروب والنزوح والتشرد والقمع؛ أصبحت سمة ملازمة لأغلب الروايات السودانية المنشورة مؤخرًا، ويمكن الإشارة إلى بعض العناوين: رواية «المجالس» لعبدالماجد عليش، وفيها تناول بشكل توثيقي لافت التحلل الذي أصاب المجتمع السوداني خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة. رواية «7 غرباء في المدينة» للروائي أحمد حمد الملك، وتتناول تأثيرات الحرب الأخيرة في دارفور وعلى مجمل السودان وكافة الناس قادة وسياسيين وفقراء وأثرياء، وتوضح حالة الدمار التي أزهقت أرواح الجميع. رواية «قصة آدم» للروائي عاطف عبدالله، التي أرى أنها استطاعت مقاربة السياسي والاجتماعي سرديًّا بنجاح كبير؛ إذ تمكن كاتبها في عرض بانوراما تعكس بشاعة الفساد والحرب، والتراجع والتقهقر الثقافي مع صعود الخرافة والدجل وموجة الثقافة الاستهلاكية مرفقة بكل قيمها السلبية في الغناء والموسيقا، وكل شيء سوداني وإنساني أصيل، كما أبدع كاتب الرواية في خلق تناص مقلوب ما بين بطل روايته «آدم» وبطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، فبينما تحترق روح مصطفى سعيد في غربته شمالًا خارج الوطن، يحترق آدم في وطنه بعد عودته من غربته التي كانت أيضًا إلى الشمال، لكنه عاد منها سالمًا؛ ليكتوي بنار العذاب والحريق في بلده السودان.
روايات وأسماء
بلا شك هناك روايات عدة يمكن ذكرها في هذا التيار، لكني أكتفي هنا فقط بالإشارة إلى بعض الأسماء المهمة للروائيين: «أمير تاج السر، ومحمد الحسن البكري، ومحسن خالد، وآن الصافي، وحمور زيادة، والزين بانقا، وسارة الجاك، ومحمد خير عبدالله، وعماد براكة، وعمر الصايم، وعماد البليك، ورانية مأمون، وهشام آدم، وكلتوم فضل الله، وأميمة عبدالله، وياسين سليمان».
قضايا الهامش والهوية
التيار الثاني من تيارات الموجة الثالثة، هو تيار ما يعرف بقضايا الهامش والهوية، وهو أكثر التيارات انتشارًا من حيث المقروئية والمواجهات النقدية الأدبية وغير الأدبية، وبروز هذا التيار مرتبط بالتغيرات السياسية الأخيرة التي زلزلت السودان خلال الربع قرن الأخير، وانفتاح رواده أيديولوجيا على مشروع السودان الجديد الذي بشر به الزعيم الجنوب سوداني الراحل جون قرنق، ويأتي على رأس كتاب هذا التيار الروائي عبدالعزيز بركة ساكن، صاحب الرواية المثيرة للجدل والممنوعة داخل السودان «الجنقو مسامير الأرض»، التي اشتغل عليها بواقعية متعرية على وقائع حياة عمال الزراعة الموسميين في شرق السودان، وأغلبهم من النازحين من دارفور، وما يواجهونه من تمييز، والكيفية التي يديرون بها حياتهم المقتطعة على هامش المدن بلا رعاية أو اهتمام من أي جهة رسمية.
الروائي الآخر الذي صعد من قضية الهامش والثقافات السودانية سرديًّا هو الروائي والمفكر أبكر آدم إسماعيل، الذي جعل من روايته «الطريق إلى المدن المستحيلة» مرافعة سردية عن المهمشين داخل المدن السودانية الكبرى الوسيطة والشمالية. كما يمكن إدراج أعمال الروائيين الشابين منجد باخوس «جمجمتان تطفئان الشمس»، ومحمد دهب تلبو «مدارج السلسيون» في هذا الإطار، وكذلك رواية «مندكورو» السابقة لبروز هذا التيار بما أنها تناولت تمثلات اللون واللغة بالنسبة للآخر (الجنوبي) في التصور الشمالي والعكس، إضافة إلى الرواية المهمة «زهرة الصبار» للزين بانقا التي طرق فيها إحدى أكثر القضايا حساسية في السودان، قضية «تجارة الرق»، والعلاقات التي انبثقت عنها اجتماعيًّا حتى بعد مرور قرن أو يزيد على إلغائها.
التيار الثالث المهم بين تيارات الموجة الثالثة للرواية السودانية، هو تيار الرواية الشعرية والفلسفية، وهو بطبيعة الحال تيار خافت وأقل ضجيجًا من التيارين السابقين؛ لابتعاده نسبيًّا من القضايا المباشرة التي تلامس الناس، ولانشغاله بقضايا وإشكالات سردية تتعلق بالتخليق اللغوي، والبناء الفني والتخييل، وعلى الرغم من بعد الأصوات المشتغلة في هذا التيار من الأضواء، وتفضيلها الانزواء والعمل في صمت على مشاريعها الإبداعية فإن صوتها وصورتها وصلا للقارئ، وتعرف على نماذج مهمة؛ أذكر منها الروائي محمد الصادق الحاج الذي يهتم في أعماله إلى درجة كبيرة بالتخييل اللغوي، والتشييد المعماري المراوغ والمنفلت تمامًا عن أي محاولة لموضعته أو تأطيره، كما في روايته المنشورة أخيرًا «هيسبرا»، التي سيفشل قارئها تمامًا في أي محاولة لربطها بالواقع، فهي محض خيال وابتداع لغوي يصل إلى حد الترف الجمالي. روائي آخر اشتغل على اللغة مزاوجًا لها مع الفلسفة، هو الروائي مازن مصطفى صاحب رواية «عنقاء المديح المنمق» التي تصعب قراءتها على معتادي الشكل التقليدي من الرواية، حيث لا قصة أو حكاية تروى في نسق واحد، إنما مجموعة أنساق لغوية وفلسفية تطرح أسئلتها الجمالية سرديًّا في شكل اصطلح كاتبه على تسميته بالرواية، ويشارك مازن في هذا الأسلوب الروائي ناجي البدوي كاتب رواية «رومانس شجري»؛ إذ يوغل في براري اللغتين العامية والفصحى، وينحت لغته الخاصة التي ترهق القارئ العادي، وتصدمه في ذات الوقت، على حين تهَب من يصبر على إكمالها لذة لا متناهية.
هذه التيارات الثلاثة، على الرغم من هذا البعد التصنيفي فإنها تتلاقى وتتقاطع في نقاط عدة. أهمها التأصيل الأسلوبي الذي يحدث الآن للرواية السودانية، ويؤسس بالتالي لنموذج خاص جدًّا من السرد الروائي المكتوب باللغة العربية، يختلف عن نموذج الرواية العربية المنتشر والمبني على موضوعات محددة، تكاد تكون خارج دائرة الاهتمام السوداني؛ مما يشي بصعود للخصوصية السودانية سرديًّا وسط الكم العربي الهائل من النتاج الروائي، الشيء الآخر الذي يجمع هذه التيارات أكثر مما يفرقها هو السيولة والسهولة التي يتحرك بها الروائي السوداني متنقلًا ما بين التيارات الثلاثة في محاولات تجريبية دؤوبة، مثلما فعل بركة ساكن في روايته الشعرية «ما يتبقى كل ليلة من الليل»، وسارة الجاك في روايتها الفلسفية «السوس»، وكلتوم فضل الله التي تصهر كل هذه التيارات في أعمالها الروائية المختلفة والمفارقة، كما في روايتها الصادرة مؤخرًا «الصدى الآخر للأماكن».
يبقى أخيرًا أن الرواية في السودان في صعودها التأسيسي المتقطع بدأت تجني الآن ثمار بذرتها التكوينية، التي ستقود حتمًا خلال السنوات المقبلة إلى نمو شجرة هذه الرواية، وإيراقها وإزهارها فيما يمكن أن أصفه بالموجة الرابعة، أو الموجة الأخيرة، التي سيكون مسماها (الرواية السودانية)، وهي تجربة الأجيال القادمة المزودة بخلاصة تجارب الأولين الحذرة، ومغامرة الأخيرين العنيفة والمتفجرة.
*مجلة الفيصل

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي