الثلاثاء، 24 يناير 2017

منشغل بالإنسان.. حوار أجراه مأمون الجاك - جيل جديد


منشغل بالإنسان - جيل جديد
حوار - مأمون الجاك
” ربط رواية تخوم الرماد، بحرب دارفور، كان طبيعيا لما حوته الرواية من إرهاص بحرب كانت وشيكة “
س : يمكننا أن نصف منظورك الروائي بالنوستالجي ، حيث تعمل دوما على عوالم محطمة، يمكن ملاحظة ذلك بدءا من عناوين الروايات : أشباح فرنساوي، ذاكرة شرير، تخوم الرماد، آخر السلاطين، عناوين تُحيل إلى التاريخ والنهايات. لِمَ تلك العودة المستمرة والحنين إلى الماضي؟
ج : نعم للأمر علاقة بالماضي والعودة المتكررة إليه ، لكن توصيف ذلك بأنه نوستالجيا، أو حنينا إلى الماضي، بالمعنى الدلالي السائد؛ ليس دقيقا. هذا الاتصال بالماضي، إلى جانب أنه آلية أساسية “تقليدية” من آليات هذا الشكل من الكتابة السردية (الرواية)، فهو محاولة من جانبي للتفاعل والتحاور مع هذا الماضي إسقاطا على الحاضر وتساؤلا نحو المستقبل، الماضي في أشباح فرنساوي – مثلا – ما هو إلا محاولة لتفسير ظاهرتي التراجع والتدهور الحادثتين الآن في كافة جوانب الحياة ، مناقشة ذلك سرديا وطرح أسئلة ناقدة حوله. وذات الأمر ينطبق على آخر السلاطين وتخوم الرماد، بينما يبدو الماضي في ذاكرة شرير وكأنه محاكمة مستمرة في الزمن غير محددة القالب تمضي وتعود منطلقة من حاضر متفكك ومتعفن .
س : عند الحديث عن روايتك الأولى ” تخوم الرماد ” والتي  كُتِبت في التسعينيات،  يتم اختزالها دوما إلى نبوءتها بحرب دارفور، أي أثر للأحكام المسبقة والاختزالية على مشروع أي كاتب ؟
ج : ربط رواية تخوم الرماد، بحرب دارفور، كان طبيعيا لما حوته الرواية من إرهاص بحرب كانت وشيكة، وربما كتابة الرواية وصدورها قبل اندلاع الحرب بأكثر من عامين هو ما دفع نقاد والقراء لاعتبارها نبوءة بالحرب، واعتقد أن المقصد كان احتفائيا وصحافيا أكثر منه نقدي – أدبي صرف.
في ما يخص الأحكام المسبقة والاختزالية بلا شك لن تصمد كثيرا أمام الدراسات والقراءات النقدية الجادة، فلقراءة أي مشروع أدبي لأي كاتب لابد من تشريح أعماله نقديا وفقا للأسس الأدبية والنقدية المتعارف عليها والتي على أساسها يتم تقييم الأعمال الأدبية – الروائية، بخلاف ذلك أي قراءة أخرى إما تقع في منطقة المجاملة والتحيز أو أنها تتحرك من مبدأ التحامل والتعسف .
س : منذ مطلع الرواية العربية – السودانية تحديدا – اشتكى الروائيون وبصورة متكررة من غياب النقد، تخلفه عن مسار الرواية، عبر تجربتك كيف ترى تلك العلاقة؟
ج : الرواية بطبعها تسبق النقد من حيث النشر والانتشار، فإذا أضفنا إلى هذا كثافة الإنتاج الروائي في السنوات الأخيرة وسهولة نشره لأنه مطلوب مقارنة مع الكتابة النقدية التي لا تتوافر لها منابر عادية مثل المجلات دعك من تصدرها واجهة النشر في بلد أو بلدان مشكلتها الأساسية في الأصل هي النقد أو التفكير العقلاني، عدم الاعتراف بالنقد كممارسة أدبية أو فكرية ضرورية واحدة من المشاكل التي تؤخر وصول الأفكار النقدية وعدم مواكبتها للكثير من الروايات التي نشرت في السنوات الأخيرة. هناك محاولات جادة لعدد كبير من النقاد لإيصال أصواتهم، لكن الخذلان يتحقق في غياب الوسيلة الوسيطة والمساعدة في نشر هذا الشكل الأدبي المهم والضروري لتطور الحياة الثقافية عامة.
” أنا منشغل بالإنسان، بالفرد العادي، المنسي والغارق في همومه ومأزقيته اليومية “
 س : تميل دوما إلى شاعرية السرد، تكثيف الجمل وشحنها بالدلالات، ويتضح ذلك بجلاء في مطالع رواياتك – يمتزج الشكل السردي بالصور، المشاهد والحالات المحكية، الجو العام ربما – حيث تواجه القارئ صعوبة فعلا في تتبع حركة كسحي في الغرفة الأسمنتية، وزحف الخَيال المصاب ” جفال ”  ، بينما تبدو الصفحات الأولى من أشباح فرنساوي منسابة ومبهمة كشبح ، مُفتَتَح تخوم الرماد  يتبِع ذات التقنية . ربما وكما يخبرنا آلان روب جرييه أن الوعي النقدي للروائي يساعده على اختيار أسلوب معين لا على تعليل ذلك الاختيار، ولكن رغما عن ذلك نتساءل إلام  يرجع هذا الانشغال الجمالي ؟
ج : ربما للأمر علاقة بالموضوعات والشخصيات التي اشتغلت عليها في هذه الروايات المذكورة، وقد يعيدنا ذلك إلى سؤالك الأول المتعلق بالعودة إلى الماضي، وما ترمز إليه من شحن عاطفي قد يستلزم من الكاتب شحذ أداته اللغوية باتجاه التكثيف والشعرية، إضافة إلى أن المواضع التي أشرت إليها مجزأة من الروايات الثلاث كلها تشتغل على منطقة ما يعرف بـ (التداعي الحر) لدى الشخصيات الروائية، وهذه تقنية روائية مبنية على التصعيد الانشطاري الداخلي، الذي يقترب في حواريته من الفصامية، والفصامية بلا شك انسياب شعري متفكك ينسج الذاكرة المذهولة .
1
س : يعمل الفن على إعادة تشكيل ذاكرة الفرد ومخيلته، عبر تعرفه على عالم الآخر المجهول.. أعمالك عن المهمشين والمنبوذين – جغرافيا، ثقافيا – تلغي إلى حد ما تهميش ذاكرة المجموع لهم، بل وتجعلهم حاضرين دوما، تعطي تفهما أكبر لوجودهم وأسبابه – شريحة المتسولين في ” ذاكرة شرير ” مثلا –  هل يمكن أن نعتبر هذا الاشتغال نقطة انطلاق موضوعية لمشروعك الروائي ؟
ج : نعم أنا منشغل بالإنسان، بالفرد العادي، المنسي والغارق في همومه ومأزقيته اليومية، هذا هو الإطار العام الذي يمكنني القول إنه يمد كتاباتي ويؤسس لمشروعي عامة سواء في القصة أو الرواية أو حتى تجاربي القليلة في كتابة الشعر. فحين أركز على شخصية “شماسي” – مثلا – هذا سيقودني حتما إلى الانفتاح على مجتمع كامل بكل طبقاته، فوقية كانت أم تحتية، ويقود حتما إلى إدارة حوار تفاعلي بين هذه الفئات المجتمعية، قد تنطرح أسئلة وقد تتخلق إجابات أو قد نصل إلى سكة مغلقة تحتم علينا الحفر حتى نصل . كما أن تضمين هذه الأعمال للأبعاد الإنسانية المشتركة، هو ما أتاح وصولها إلى القراء خارج السودان باللغتين الانكليزية والفرنسية، أعني روايتي “تخوم الرماد” ترجمة المترجم السوداني ناصر السيد النور، و”ذاكرة شرير” ترجمة المترجمة الفرنسية فرانس مايير، إضافة إلى نصوص أخرى قصيرة ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والسويدية.
س : لا ادعاءات معرفية، توجيهية لشخصياتك إلى هذا الحد أو ذاك ،  لا تُقولها شيئا ، ترصدها فقط مُتابعا لمسارها ، أيضا لا هواجس ميتافيزيقية كمحور للرواية – ربما كُسحي يمتلكها –  فقط صراعات متعلقة بعالم الإنسان  ‘  المجتمع، الدولة والتاريخ ‘ هل هو اتجاه نحو  دنيوية الرواية؟
ج : هذه ملاحظة جديرة بالتوقف عندها، ولا أستطيع الآن الحكم بصحتها تماما، ولكن بافتراض الصحة الجزئية وانطباقها على بعض شخصيات أو الموضوعات التي اشتغلت عليها روائيا، فربما أرجع ذلك إلى انشغال الكاتب بهموم تتعلق بالظرف التاريخي الدقيق الذي يمر به السودان كدولة وكيان مجتمعي وتاريخي، هذا الهم المؤرق تجده حاضرا بقوة في كل الروايات المشار إليها في هذا الحوار، ومتجسدا كل الشخصيات الأساسية أو المساعدة التي تتحرك في فضاءات هذه الروايات محملة بـ (الاجتماعي – التاريخي) وهما من الهموم المعرفية في سياقها السيوسيولجي.
” دارفور في النهاية لا تخرج عن كونها نموذج مصغر لما سيؤول إليه السودان عامة إن لم تتوقف هذه الحرب “
س : ما بين الغوص في تاريخ دارفور القريب في أولى رواياتك، والعودة إلى دارفور السلطان علي دينار في “آخر السلاطين” اختلاف واضح في نقد السُلطة في كلا الزمنين – بدءا من صوت السارد الناقم على سلطة قديمة في “تخوم الرماد ” وصوت جفال المُبجل لسيده والمتذكر له حتى في لحظات إصابته واقترابه من الموت – ففي “تخوم الرماد” تُعري الرواية السلطة وعجزها بل ومساهمتها في استمرار الصراع، أما “آخر السلاطين” فتكتفي بتقديم صورة مشرقة للسلطان وزمانه..  عدا تغير شكل السلطة بفعل التاريخ ، ما هي أسباب هذا الاختلاف ؟
ج : استدعاء صورة دارفور السلطان علي دينار داخل صورة دارفور الحاضر، ربما تعطينا إجابة لهذا السؤال. الحرب، بصورتها البشعة حاضرة في التاريخين، لكن بينما في الحالة الأولى “السلطنة” كانت حربا للدفاع عن الأرض وإنسانها ضد عدو خارجي يحاول تفكيك الدولة ونسيج المجتمع، نجدها في الوقت الحاضر حربا داخلية تحاول إكمال ما فشل الاستعمار في تنفيذه بعد انتصاره في الحرب الأولى، أي تفكيك الكيان الدارفوي، تشويه الإنسان وخلق حالة من العداء المستمر بين مواطني هذا الجزء من السودان الكبير، تمهيدا لنقل هذه الحالة الفوضوية برمتها لتدمير الوطن الأكبر، دارفور في النهاية لا تخرج عن كونها نموذج مصغر لما سيؤول إليه السودان عامة إن لم تتوقف هذه الحرب. إذن النقد العنيف للدولة السودانية في تخوم الرماد مقابل التبجيل لـ سلطة السلطان علي دينار، هي محاولة لوضع الحالتين (السؤالين) في كفتي ميزان، للتحاور والتأمل ومحاولة الإجابة عن “ما الذي جرى؟ وما الذي يجري؟”، ربما في تشريحنا للواقع الاجتماعي الدارفوري في امتداده التاريخي والمجتمعي ونسقه الثقافي (الأنثروبولوجي) تكمن الإجابة عن الأزمة المتفاقمة والتي تكاد تحيل كل شيء إلى رماد.
س : موقاي كتجربة سردية مختلفة، تعمل على محاور عديدة ، فنرى فيها متاهات كافكا الكلامية  ، تعدد الأجناس: قصة، شعرا، مُلتفتا فيها أحيانا الى عالم آخر غير عالمك الذي فصلتك الغربة عنه – حدثنا عن هذا المشروع؟
ج : تجربة موقاي، ارتبطت بانتقالي إلى السعودية مهاجرا أو مغتربا، والاسم موقاي مأخوذ من التراث السلطاني في دارفور، وهو رتبة وظيفية تقترب في معناها من دور وسائل الإعلام في الوقت الحاضر أو وزارة الإعلام والثقافة مدمجتين، الموقاي هو ذلك الشخص الذي كان يتلو المراسيم السلطانية على الرعية، ويقرأ أيضا الأشعار والحكايات الطريفة على السلطان. التجربة متعلقة بالنشر في الفيس بوك – التواصل الاجتماعي – وفكرتها الأساسية محاولة رصد انفعالات ومشاهدات جديدة تتعلق بالانتقال إلى السعودية، ومعالجتها سرديا وشعريا. بالنسبة لمشروعي في الكتابة اعتبرها تجربة مهمة جدا، ساعدتني كثيرا في تطوير أدواتي وفي اكتشاف إمكانيات جديدة لم أجربها من قبل، وهي عموما مبذولة للجميع واستطاعت كـ “صفحة تواصل” – أن تستدعي قراءها ومتابعيها من داخل السودان وخارجه.
س : يقودنا هذا إلى التساؤل حول أهمية وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للنشر وكواجهة للكاتب؟
ج : بلا شك، “الإنترنت” بصورة عامة فجر ثورة معرفية كبرى، غيرت الكثير من المفاهيم وأبدلت الكثير من الأدوار وأتاحت الكثير من البدائل التي يسرت حياة الناس على هذا الكوكب البائس. وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من منح ونعم ثورة تكنولوجيا المعلومات التي يهنأ بها الإنسان الآن، وقد تحولت بصورة مذهلة إلى ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء في أي منحى من مناحي الحياة، والكتابة والكتاب استفادوا من هذه الوسيلة في التواصل مع قرائهم وفي ما بينهم، بالقراءة والنقد والإعلان عن منتوجهم الجديد، كما أن هذه الوسائل كسرت – في رأيي – التقاليد القديمة للنشر، بحيث لم يعد النشر الأدبي حكرا على فئة دون أخرى، أو بحاجة لتزكية من أي جهة كانت، فالمجال مفتوح للجميع الآن وكل بحسب قدراته وملكاته.
س : رسملة الأدب، تحويله إلى نتاج جوائز مُوجه لقارئ استهلاكي، راضخ، ربما يرجع هذا في البدء إلى طبيعة دور النشر الحالية، أي أدب يبقى لنا بعد ذلك؟
ج : ما يحدث في ناصية الأدب نتاج طبيعي لحالة الصعود الغاشم لآلة الرأسمالية العالمية في شكلها الأكثر حدة، العولمة، وما أنتجته من أوهام استهلاكية تتوسل الإعلام وتوجه بالصورة إلى ما تريد، مثلما تعمل دائماً على استقطاب الأدب والفن حتى يسقط في فخها الترويجي – الاستهلاكي، هذا في ما يخص دور النشر المدرجة ضمن هذا النظام العالمي وما تنتهجه من أساليب ترويجية للكتاب البست سيللر “الأكثر مبيعا” والكاتب الأكثر مقروئية وفقا لخطة تسويقية بحتة هدفها الأساسي الربح ولا شيء آخر. أما الجوائز فبرأيي الأمر حولها ملتبس قليلا، لأنني لا يمكن أن أضع كل الجوائز الأدبية تحت لائحة “رسملة الأدب”، هناك جوائز محترمة تسعى جادة لنشر الأدب من منطلقات ثقافية وأدبية، وهذه وجودها قديم ومبرراته معروفة ولا تحتاج إلى شرح، وهذا لا ينفي بروز جوائز أخرى أنتجتها حالة الرسملة لتصبح بدورها إحدى الوسائل الترويجية المشاركة في لعبة التسويق. أي أدب يبقى لنا بعد ذلك؟ الأدب الحقيقي هو الذي سيبقى وغير ذلك سيذهب جفاء طال الزمن أم قصر، الأداة النقدية – الجمالية البشرية لم تتوقف يوما عن الغربلة وعلى مر العصور مدتنا بالنماذج الأكثر جدة وحداثة وتجريبا وأسقطت كل إنتاج مشوه ملفق ، لا تقلق !

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي