الاثنين، 23 يناير، 2017

محمد حسين بهنس 1972 – 2013: حياة قصيرة.. هجرة بلا حدود - منصور الصويم


بهنس.. حياة قصيرة، هجرة بلا حدود

منصور الصُويّم 
في مقطع فيديو قصير انتشر بعد رحيله، يقدم “بهنس”، التشكيلي والمغني والفنان الشامل، عرضا مسرحيا راقصا على ضوء الشموع. خشبة المسرح التي اختارها لتقديم هذا العرض كانت غرفته المنزلية الخاصة، حيث يظهر وحيدا محاطا بالظلال والإضاءة المتراعشة لضوء الشموع الموقدة. يندمج بهنس في أداء جسداني راقص يبرز قدراته الحركية في تطويع جسده ليتوافق مع الموسيقى المبثوثة؛ رقص مليء بروح الحياة والفن، فيه يتوحد المؤدي -بهنس- بالروح الجمالية التي تسكنه وتبعده في هذه اللحظات الحميمة عن الخارج – المحيط، غير المعترف بهذا الشكل من الممارسة الجمالية أو الفنية، وغير المتوافق مع الانفتاحات الإبداعية المتعددة لهذا الفنان؛ لكنه هنا في مسرحه الخاص – غرفته، يقدم عرضه الابتكاري بكل انفعال وصدق في مواجهة جمهور غائب – حاضر، يواجهه واثقا من إنصافه يوما ما؛ ذلك اليوم الذي سيأتي بعد الرحيل المر.
قبل واقعة الموت المأساوي، بأشهر قليلة، في مهجره الثاني في القاهرة، التقط الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن صورة تلخيصية لحياة بهنس في القاهرة، كان خارجا من بوابة مقهى ما، الصورة التقطت له وهو متحرك ماشيا إلى الخارج، وجهه لا يظهر، أسطوانة أقلام وأرياش رسم معلقة على كتفه، بنطلون جينز متسخ وقميص فضفاض بلون الأرصفة؛ ثم حقيبة ظهر، حقيبة تغطي ظهره بالكامل، تحتوي على كل أشيائه ومتطلباته اليومية، حياته بالكامل داخل هذه الحقيبة، كأنها موطنه البديل عن موطنيه – الأصل والمفترض – كأنها هروب من قسوتهما المدمرة وكأنها استحضار عملي لأبيات درويش الشاعر الفلسطيني المهاجر بدوره: “وطني حقيبة.. وحقيبتي وطن الغجر”. تلك الصورة بأبعادها التعبيرية وتفاصيلها المكتنزة؛ كأنها بوستر إعلاني تشويقي يروج لعرض الغريب المهاجر الذي سيعانق موته قريبا في مسرح ساحة التحرير في ليلة شتوية باردة وساحلة.
هل لعبت الهجرة دورا مفصليا في حياة الفنان السوداني محمد بهنس، بمثلما أدت هذا الدور في حياة فنانين وأدباء سودانيين آخرين سابقين له؟ هل تتقاطع مأساة بهنس في صورة من صورها مع مأساة الناقد والأديب السوداني معاوية محمد نور؟ معاوية الذي ألبسته الهجرة – السفر، حالة فصامية قادت في النهاية إلى وأد عبقريته في وقت مبكر. وهل الحنين إلى مصر والموت فيها بالإقصاء عنها يمثل حالة تلاق أخرى بين الأديبين الفنانين وشاعر آخر هو التجاني يوسف بشير الذي أمضته رغبة الهجرة والسفر لمصر إلى أن مات؟ والثلاثة أجمعت بينهم مأساة الغربة والاغتراب ليفارقوا هذا العالم وهم في بداية الشباب.. هل هجرتهم الحياة في أوطانهم فهجروها ورحلوا؟
في عودته من هجرته الأولى، قال لي ذات مسامرة مسائية جوار المركز الثقافي الفرنسي: “البرد هناك لا يطاق، هنا الدفء”. كان عائدا للتو من فرنسا، ترك وراءه تجربة زواج فاشل، من فرنسية تزوجها في السودان، وآثار معرض تشكيلي لافت قدمه في إحدى المدن الفرنسية التي أقام فيها. بعد هذه العودة – الهجرة، غاب بهنس عن الناس/ الخارج/ الآخر، توارى تماما في غربة وهجرة من نوع آخر ملتجئا إلى غرفته، منجذبا في ما يشبه التصوف إلى زاوية دينية قريبة من منزله في الثورة بأم درمان؛ كان شقيقه قد مات وهو في مهجره بفرنسا، ثم توفيت والدته بعد عودته بقليل، وكانت هناك خيبات أدبية وفنية تلاحقه في وقت هو بلا شك وقت الخيبات الكبرى في السودان، روايته “راحيل” صدرت قبل أعوام ولسوء فهم غريب بطبيعة النص وتكوين الكاتب واجهت هجوما نقديا بشعا في أمسية تدشينها، هجوم ترك أثرا جارحا في نفس الفنان، لازمه في تنقلاته الإبداعية الأخرى من التشكيل إلى المسرح والموسيقى والشعر؛ أكوان حياته المتشظية، وهنا كذلك لم تسلم روحه من تجريح الرفض وسوء الفهم وإبعاد الحسد.
في واقعة موت الكاتب والفنان محمد حسين بهنس تتقدم الهجرة كعلامة كاوية، تبين دلالات المأساة في هذا الموت والرحيل الصادم. فالشاعر والمسرحي والروائي الشاب مات في سوحين لازماه طيلة حياته الإبداعية القصيرة؛ السوح الأول مثلته هجرته النفسية الجوانية التي قلصت في سنواته الأخيرة من تواصله مع الآخر إلى أضيق نطاق إلى أن وصل هذا التواصل إلى ما يمكن أن أصفه بالقطع النهائي والانفصال التام عن الآخر – الخارج؛ أما السوح الثاني، الذي تشكل عبر مرحلتين فصلت بينهما وأوصلتهما ببعض في ذات الآن الغربة الداخلية للفنان؛ فيتمثل في هجرته المادية من موطنه السودان إلى غربة قصية وباردة كانت إلى فرنسا، وفيها تكون بداخله التضعضع النفسي والروحي الذي اكتمل برحيله المادي في هجرته الثانية، إلى مصر، الموطن الثاني افتراضاً، الذي تضافر في ما يبدو مع قسوة الموطن الأول – السودان، وأنتج غربة وقسوة مضاعفة أنهت حياة إبداعية في طور التشكل والتفتح.
الغربة التي عاناها بهنس في حياته القصيرة ربما هي التي دفعته لعدم الاندراج في تخصص فني أو أدبي مؤطر ورسمي، فهو تشكيلي لم يدرس التشكيل في كلياته المعتمدة، وهو مسرحي وراقص لم يتخصص في الدراما أو المسرح، وهو موسيقي؛ مغن وعازف لم يدرج نفسه في مدار أكاديمي للموسيقى والغناء، وهو أديب غريب متوتر، متنقل ما بين الشعر والقصة والرواية وكتابة المقال دون أن يقف على نوع واحد ليبارز فيه إلى النهاية، روح قلقة وغربة ساكنة جعلته يضع بصمة مضيئة هنا وهناك في كل مساحة من المساحات الإبداعية المتنوعة والمتعددة قبل أن ينغلق في هجرته المادية – الروحية، الأخيرة، على نفسه ويرحل منكفئا على الكون الإبداعي الذي يسكنه.
في قصيدته الشعرية “بهديك الفوضى” التي اشتهرت بعد موته، يقدم بهنس معنى الحياة مثلما يراه، وينظم أمنياته وأحلامه عن وطن الجمال والمحبة الذي يصبو إليه، في تلك الأبيات، يقول:
“بهديك الفوضى
شجار طفلين في ساحة روضة
بهديك الغربة
هتاف الموتى وصمت التربة
بهديك حزنك
وستات الفول أثناء الخمشة
بعد إذنك
بهديك إحباطي
حديث عابر في مركبة عامة بصوت واطي
بهديك الليل البين جبلين
فقدك لقى دين
بهديك طلة لبيوت الخيش
وخيم تفتيش
وأسواق أرخص ما فيها
حليفة الله
بهديك متمرد
والنيل في الجركاناتباعوهو برد
بهديك ولا شي
واقطع وديان السهو مشي”.
توفي محمد حسين بهنس (مواليد 1972) في ميدان التحرير في القاهرة، عام 2013. عُثر عليه في شتاء ذلك العام منكمشا على إحدى كنبات الميدان بعد أن جمد البرد الدم في عروقه.. قتله البرد والتشرد وانكسار رغبة المدافعة عنه ولديه. مات مهاجرا بعيدا ومقصًى عن موطنه، وفي هذا الموت المأساوي الجهير، اختار مسرحا عاما يعج بالحياة والفوضى. مسرح موته – الميدان، دائم متجدد وشاهد أبدي على الإدانة وسلطة المحو مقابل رغبة الحياة.. رحل المهاجر بهنس، ترك السأم خلفه ومضى.
* نشرت في العدد الجديد من مجلة المسرح

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي