الجمعة، 19 مايو، 2017

الروائي منصور الصويم.. يوظف “العجائبي” على متن “عربة الأموات”



الروائي منصور الصويم.. يوظف “العجائبي” على متن “عربة الأموات”
محمد علي العوض



ينفتح نص “عربة الأموات” للروائي منصور الصويم – والصادر عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع؛ على أبعاد سردية جديدة، بعيدة عن نمط المتون الكتابية المتراكمة، ويراهن في ذلك على بلاغة التجريب، والولوج إلى مناطق محفوفة بشغف المغامرة والانزياح عن السردية الكلاسيكية السائدة؛ اعتمادا على صيغ حكائية وأدوات سردية قادرة على استقراء الواقع ومجريات أحداثه وتحويلها إلى نص تخييلي يتناول كمًّا من الأسئلة المغيبة والمسكوت عنه، فالروائي العربي -على حد قول محمد معتصم في كتاب النص السردي العربي – “بات مدركا بوعيه وحسه الفني الخاص لضرورة التعبير عن إحداثيات التغيير، معتنقا السعي نحو تجديد أساليب الكتابة السردية التي تعكس إلى حد كبير تحولات الواقع وحقيقة ابتذاله؛ لأنه واقع لا يقيني مشحون بالشك والحيرة والقلق حيث انتقل الاهتمام من المنسجم إلى اللامنسجم، ومن اليقين إلى اللايقين، ومن الواحد إلى المتعدد والمتغاير” ويتوافق ذاك مع ما يراه إدوارد الخراط حول أنّ الكتابة الواقعية أضحت عاجزة عن أداء الوظيفة الإبداعية مما دفع المتن الروائي العربي في أواخر القرن العشرين لإحداث تحولات ملحوظة في أشكال السرد وبنياته وتقنياته والمضامين.
تصور أحداث الرواية المكونة من ٢٢ فصلا حياة أربعة سودانيين في إحدى دول الخليج العربي “طبيب، محرر صحفي، وسائق، وموظف بأحد القصور” وتقترن الأحداث بفضول طائر “الغراب” رفيق فضل الله -سائق عربة الأموات- وأنيس وحشته، تتكشف الحكاية بتفاصيلها المتشابكة على عوالم عديدة تسلط في مجملها الضوء على “العلاقات النفسية بين الوافدين والمكان” فثمة خادمة إثيوبية تقوم قيامتها بجسد مسوم بالعذاب و”حلمة” نهد قضمتها أنياب “الكفيل” وعمالة أجنبية ترزح في براثن الاستغلال والتشيؤ، وهناك غلام ينتحر بعد أن يقضي منه العتاة وطرهم، وبرازخ فاصلة بين حضارة القصور القصيّة التي تخفي خلف أسوارها العالية مظاهر بربريّة الانتهاك والشذوذ والمجون، وتنامي نزعة التطرف الديني في شخصية “أبو البراء السوداني” الذي بدأ موظَّفاً في موقع إلكتروني يشاهد الأفلام الإباحية وينتهى به الحال أشلاء ممزقة جراء عملية انتحارية نفذها في ليبيا.
“الموت، الدين، الجنس” كانت أبرز ثيمات الحكي والقاعدة التي ارتكزت عليها البنية السردية العامة.. فقد استطاع الصويم – بحصافة – شد انتباه القارئ على محورين: عتبة المناص الأولى “العنوان” و”العتبة الاستراتيجية الثانية” أي تلك الجملة التي يبدأ بها “كرّ” خيط السرد.. فالعنوان علامة سيميائية لها دور كبير في التواصل مع النص لكونها أنظمة سيميائية تحمل قيمًا اجتماعية وأخلاقية وسياسية، وتؤدي العناوين وظائف فنية وجمالية وبصرية “أيقونية” سواء كانت على الغلاف أم داخل تفريعات النص؛ فهو كما يقول محمد مفتاح في “دينامية النص” يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته- ولأننا لا نستطيع قراءة العنوان بمعزل عن النص بعلّة شكل العلاقة الجدلية بينهما فقد حمل عنوان “عربة الأموات” لافتة دلالية ذات طاقات مكتنزة ومدخل أولى لقراءة النص، فالعنوان “عربة الأموات” لم ينزَحْ عن المحتوى أو ترتخي قبضة سلطته عن النص، بل لعب دورا مركزيا في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته؛ فهو بحسب تقسيمات “جيرار جينيت” لوظائف العنوان يؤدي وظيفتين مزدوجتين: تعيينية/ إغرائية، ومركز الجاذبية بإمكانه الانتقال من العنوان إلى متن النص المطروح وموضوعه الحامل لأسباب الإغراء؛ والعنوان “التعييني” يعني في أبسط تعاريفه التطابق بين مضمون النص والمسمى.. واعتبر جينيت وظيفة التعيين إلزامية بخلاف الوظائف الأخرى كالوصفية والإيحائية والتأثيرية والموضوعاتية… إلخ فمفردة “الأموات” الواقعة من حيث الإعراب مضافا إليه في العنوان تلمح دلالاتها وصداها يتردد في كل جنبات الرواية وعناوينها الصغرى مثل: (أربعة جثامين، موت الكويري الجميل، حارس المقابر، أرملة الرجل…، قيامة الإثيوبية، شهادة وشهيد… إلخ) أمّا في محور “العتبة الاستراتيجية الثانية” أي الجملة التي اُفتتحت بها الرواية؛ فقد كان الصويم مصرًا على عدم هتك نسيج العنوان ودلالاته، وعدم انقطاع اشتغال أثره على المتلقي؛ لذا تجاوز به التخوم الفاصلة بين الكتابة واللاكتابة، بين النص واللانص وألقى مباشرة بعنوان الفصل الأول الصادم “أربعة جثامين” وأعاد ذات الصدمة كرة أخرى حينما قال (توقفت عربة الأموات…) في أول سطر استهل فيه الرواية، وهذه براعة تتبدى فيها قدرة الصويم على تذليل “العتبة الاستراتيجية الثانية” أي الجملة الأولى في الرواية بوصفها أعقد مكونات العمل الإبداعي؛ فمن خلال إحكامها يتمكن الكاتب من قود رسن إحساس المتلقي وإغرائه بالتماهي مع النص.
عمد الصويم في روايته إلى تخصيب الحكي وانتهاك سكونيّة اللغة باعتناقه مبدأ التخييل عبر صيغة “العجائبي” أو “الغرائبي” أو “الفانتازي” إن شئت؛ كآلية سردية زاخرة بغير المألوف، وكتعبير لاواقعي عن الواقع دونما إلغاء له؛ بل هناك التحام تام بين حكاية النص والخيال، وكأنّ هذا التحالف يمثل سلطة مضادة تشكل ثورة على شكل النص القديم وسطوة المجتمع بما فيه من أفكار وعلل.
ولأنّ ملامح الغرائبي تتبدى داخل السرد بحسب قربه من الواقع، فقد وظّف الصويم شخصية الغراب داخل النص بنمط “عجائبي” بلا إغراق مفرط في التخييل أو انفلات عن الأحداث الواقعيّة داخل النص؛ وهذا التوظيف كما يقول “صبري مسلم حمادي” يعد تجسيدًا للشكل المرن القابل لاحتواء كثير من الدلالات والرموز التي يبتغي الكاتب إضفاءها عليها لاسيما أنّ الرمزية إحدى أبرز سمات الجانب العجائبي.. فالغراب تارةً يصير ذاتًا محايثة للعامل الرئيسي “فضل الله” وتارة أخرى يتمظهر كعامل ثانوي مساعد؛ ومرة ثالثة ظلا لشخصيات الرواية، وتتباين شخصيته داخل النص ما بين العاقل/اللاعاقل، ففي صورة الكائن الحي العاقل يتبدى الغراب كشخصية عجائبية ناطقة تهيمن على جزء غير يسير من نمط الحوار، وفي سيرورة الحكي يتحول كدلالة على الذات والصوت الداخلي: (سأله بخبث: لكن من منهما كنت ستشتهي؟ الحبشية أم الفلبينية السمراء أم البيضاء… يمكنك أن تضاجع أي واحدة منهما حتى وهي ميتة… تقدم يا فضل الله الشبق.. تقدم يا عرص وسافدها… ضاجعها واقض وطرك – ص 20).. هذا التعدد في أدوار الشخصية وتحول الذات والصوت الداخلي إلى كائن ما غالبا ما يعبِّر عن أزمة وجود، وانقسام، واغتراب عن المجتمع. ويذكّرنا ذلك بمصطلح “الأنسنة” أو “التشخيص” حيث تتخذ الأشياء والكائنات غير البشرية صفات وأفعالا تعدّ من خصائص البشر. وحين يتداخل الغراب في الحوار تطفو إلى الذهن عقيدة “المشاركة مع الطبيعة” عند المتصوفة، على نحو ما في “كتاب التجليات: الأسفار الثلاثة” لجمال الغيطاني (حدثتني بقعة الأرض فأوجزت وألمحت وقالت)، (أفصح لي الصمت الغروبي عن خوفه، عن حذره).. أما في حالة الشخصية اللاعاقلة فيتبدى الغراب في صورته الطبيعية المألوفة بوصفه أحد الطيور الجراحة التي تطير وتملك منقارا وريشا أسود، وتنعق بصوتها (قطرات عرق نحيلة بدأت تنحدر على عنق الغراب، وتبلل ريشه الأسود فتتركه مجعدا- ص8) ( وفضل الله يأكل بهدوء شديد وهو يتابع سرعة منقار الغراب في التقاط حبات الأرز وابتلاعها- ص 13) (وثب طائرا صوب مقدمة الثلاجة- ص 20) وأحايين أخرى يحوّله الصويم إلى دميّة وأيقونة متصنمّة (وعلى الغراب المثبت في مقدمة العربة – ص 7) (حاول الشيخ سعود الجديع انتزاع الغراب من قاعدته بقوة قبضته المتينة – ص 121).
واختيار الصويم للغراب دونا عن سائر جنس الطيور يحيلنا إلى دلالات عدة ترتبط بعنوان الرواية نفسه “عربة الأموات” وتواكب أحداث الرواية بما فيها من جثامين وحفاري قبور وما تحمله من معاني الرحيل والفناء بداخلها. وهذا نفسه يواكب ما للغراب من دلالات أسطورية وتراثية تحملها الذاكرة البشرية لهذا الطائر فقد ارتبط بالموت وحفر القبور منذ بدء الخليقة حين قتل قابيل أخاه هابيل وتركه مجندلا في العراء “.. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ…” ويرتبط كذلك بتشاؤم العرب الأقدمين من الغراب كرمز للنحس والتطيّر ومن ذلك المثل العربي: “صُرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ غُرَابٍ” ويعني ضاق عليه الأمر أو المعاش، ويقال أيضا “طَارَ غُرَابُهُ” أي شاب رأسه، والمشيب هو نذير الموت..
ونلمح بين ثنايا نص “عربة الأموات” تناصًا عامًا لطيفًا مع قصة الهدهد وسيدنا سليمان، فبمثل ما كان الهدهد ناقلا للأخبار ومستخبرا عنها كذلك كان الغراب، وكان على حد وصف عبد الله مكسور بصحيفة العرب “قادرا على اختراق كل الأمكنة والتواجد في كل حيِّز في ذروة السرد ليُشكِّل ضابطاً للحكاية كما أراده الكاتب، ينقُل لنا بدقةٍ متناهية ما يدور في القصور المشيَّدة بعيداً عن كل المحاذير؛ حفلات المجون، انتهاك البشر، السجن في الظُلمات”. عمد الصويم في هذه الرواية – بقصدية – إلى الابتعاد عن اللغة الشعرية ومظانها، واشتغل على توليد لغة مباشرة واضحة المعاني والمباني تعادل موضوعه ورؤاه، ومُحولا لغة الكتابة إلى منظور ومجهر آخر يطل منه على ذلك الجزء من العالم في الرواية.. والمفارقة أنّ ذات “عربة الأموات” بدلالاتها المخيفة والهادمة للذة الحياة والتي كانت -في أول أسطر الرواية- مبعثًا لحياة روز الإثيوبية وضجيج قلب فضل الله بالحب هي ذات وسيلة الأصدقاء الأربعة للبعث مجددا والفكاك من إسار السحق في طريق هروبهم إلى اليمن.

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي