السبت، 19 يوليو، 2014

أساطير صغيرة 2014 - النصف الثاني


*أساطير صغيرة

منصور الصويم

جرائم دولة الخلافة الجديدة (داعش) ..
يحكى أن أحد الناشطين في قضايا حقوق الإنسان وفي تتبع أحداث الحروب الدائرة في دولتي سوريا والعراق، أورد تقريرا موثقا يرصد بشكل دقيق الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي يعرف اختصارا بـ (داعش). التقرير الحقوقي المنشور على عدد كبير من مواقع الإنترنت وتتم تغذيته بصورة مستمرة شبه يومية، والذي اعتمد بشكل أساسي في عرض مواده الموثقة على شهادات (الناجين) وعلى تقديم مقاطع (فيديو – قتل) صورها (الداعشيون) بأنفسهم، ووفر إمكانية التحاور واستقبال التعليقات من زوار الصفحة الشخصية لمعده على الإنترنت؛ ويتيح في جلسة قد لا تمتد طويلا لأي إنسان أن يتعرف وسريعا على الأساليب الإرهابية التي أنتهجها ولا يزال ينتهجها هذا التنظيم في سبيل إحراز تقدم في المعارك سواء في سوريا أو العراق إلى أن وصل إلى محطة الخلافة (المتوهمة)!

قال الراوي: ربما كان من المستلزم من معد وناشر التقرير أن يستعين بتلك الجملة المدخلية الدعائية الفجة: (لأصحاب القلوب القوية) التي تستخدم كثيرا لجذب المشاهدين والقراء أكثر من تحذيرهم لمعاينة الموضوع المراد، لكن هنا وفي هذه الحالة (تقرير جرائم داعش) تصبح لهذه الجملة قيمة حقيقية وبعدا جوهريا في إيضاح مدى الفظاعة التي سيصادفها كل من يتاح له الدخول وقراءة ومشاهدة ما يعرض في هذا التقرير الصادم وهو يوثق سطرا سطرا ومقطعا مقطعا وصورة صورة لجرائم هذا التنظيم الفاشي.

قال الراوي: فعبر عدد كبير من مقاطع الفيديو والصور، يقدم التقرير بالدم والرصاص والحريق والأنين (بعض جرائم داعش)، مقاطع فيديو توضح مدى القسوة والسادية التي تتمتع بها عضوية التنظيم وهي تمارس تقتيل الخصوم والأبرياء والحلفاء وكل شخص يمر بقربهم؛ هكذا وببرود و(جلافة) وفي أي مكان دون أدنى التفاتة لحق هذا الإنسان في الحياة أولا وحقه في المحاكمة العادلة ثانيا وحقه في الاعتراض والاختلاف ثالثا وكل حقوقه التي كفلها له الدين الإسلامي الذي باسمه يتبجح سفاحو (داعش ومجرموها).

قال الراوي: شهادات الناجين التي يعرضها التقرير تنقل بدقة حالة الجنون التنظيمي الجمعي التي يتشاركها كل (الداعشين) الواهمين بحربهم المقدسة وطهريتهم وإيمانيتهم وقربهم من (الله)، فالتعذيب والتنكيل هما اللغتان المعتمدتان للتحاور مع الآخرين، والقتل على (الريق) مع التكفير هو الأمر الحاسم لكل (تلجلج) أو (تردد) من الآخر المساءل عن جرائر لم تخطر على باله قط؛ وإن كان منبع كل هذا خوفه ورعبه من وحوش الدولة الإسلامية (داعش).

ختم الراوي؛ قال: المدهش أن البعض، كابر – في مداخلات صفحة التقرير – بأن (داعش) باقية مهما كان!

استدرك الراوي؛ قال: المفحم أن رد الناشط الحقوقي عليهم كان: "نعم باقية، لكن في نار جهنم".


متاهة بُورخِيس.. ونحن ..


يحكى أن في أحد نصوصه القصصية المبهرة، المضمنة في كتابه (المرايا والمتاهات)، يسرد الكاتب الأرجنتيني العبقري؛ خوري لويس بورخيس، حكاية تلخص في إيجاز الأسلوبية المدهشة التي أتبعها هذا السارد العظيم في كتابة نصوصه القصصية؛ ونقل عبرها فلسفته حول الحياة ورؤيته العميقة للوجود، كما تعكس في بساطتها المثقلة بالمعنى البعد الترميزي الذي يعتمده هذا (الأب المدهش- للسراد) باستناده على قصص وحكايات تراثية عالمية وكونية يغترف منها ويحقنها بالدلالات وفق نسق حكائي مشوق وجاذب وناجز في مبناه.. القصة المقصودة جاءت تحت عنوان (ملكان ومتاهتان) وتروي باختصار شديد حكاية ملكين؛ أحدهما من الجزيرة العربية – الصحراء، والآخر يحكم مملكة أخرى تقع في (جزر بابيلونيا)، التي على ما يبدو كانت وريفة وغنية بالمياه.

قال الراوي: تروي القصة حكاية ملك العرب القادم من الصحراء في زيارة إلى ملك جزر بابيلونيا؛ الذي بنى قبل مقدم ملك العرب متاهة (عجيبة) ذات سلالم ومداخل سرادبية مضللة، أعجبته كثيرا وجعلها تحديا لكل من يزوره من الملوك أو غيرهم من سادة ذلك الزمان؛ فكان قدر ملك العرب القادم من الصحارى أن يدعوه ملك جزر بابيلونيا، إلى تجريب محاولة الخروج من هذه المتاهة وذلك للتسلية والدعابة ليس أكثر؛ فدخلها الملك العربي وتاه و(راح) يوما كاملا بين سلالمها وسراديبها دون أمل في وجود باب أو مخرج، إلى أن دعا الله مع دخول الليل فيسر له خروجا آمنا، لكنه أحس بالمهانة والإذلال فـ (أسرها في نفسه)!

قال الراوي: تحكي قصة بورخيس (العظيم) ما حدث بعد عودة ملك العرب إلى أرضه في عمق الصحارى، حيث جمع رجاله وجيش جيوشه واستعد لغزو جزر بابيلونيا ومحاربة ملكها صاحب المتاهة العجيبة انتقاما لإذلاله له.. وعبر سرد تشويقي ملذ وإيجاز مبهر لـ(كاهن القص الأكبر) يتم غزو الجزر وهزيمة جيوشها وأسر مليكها؛ وتخريب متاهته العجيبة التي أهانت ملك العرب يوما ما.

ختم الراوي؛ قال: بعد أن هزم مملكة جزر بابيلونيا وتمكن من أسر مليكها، عاد ملك العرب إلى بلاده وبين يديه الأسير، وحين وصلوا إلى صحاريها، قال له: "الآن سترى متاهتي التي لا سلالم فيها ولا جدران" وأطلقه في الرمال الشاسعة، فمات ضائعا في متاهة الصحراء التي لا مخرج لها.

استدرك الراوي؛ قال: في القصة، ما من متاهة أفدح من الطبيعة. في القصة، الحياة هي أصل المتاهات. في القصة رب رمل بلا جدوى هزم أعتى الملوك. في القصة ما فيها وكفى.

كتاب (لست وحدك).. خداع مزدوج ..

يحكى أن عدداً من كتاب القصة القصيرة، أصدروا قبل يومين بيانا باسم جماعة (قصاصون بلا حدود)، تناولوا من خلاله شأنا يتعلق بالملكية الفكرية، ويتعداها إلى التزييف والخداع ووسم الأشياء بما ليس فيها. البيان، الذي صدر عقب مؤتمر صحفي عقده أعضاء المجموعة؛ تناول بالتفصيل الملابسات المصاحبة لإعداد ونشر كتاب (لست وحدك)، الذي يحوي مجموعة من القصص القصيرة شارك عدد من الكتاب – من ضمنهم أصحاب البيان – في إبداع نصوصها بعد المشاركة في ورشة إبداعية – مجتمعية عن (الأيتام) كانت برعاية "الجمعية الإفريقية لرعاية الأُمومة والطفولة" وذلك في العام 2008، على أن تتم طباعة مخرجات الورشة في كتاب حقوق نشره تتم اتفاقا بين الكتاب والجمعية تعود لصاح الأيتام، على أن يصدر الكتاب باسم الجمعية والكيان الذي دعا وجمع الكتاب ونظمهم ونسق في ذلك الوقت وهو (نادي القصة السوداني).. لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟

قال الراوي: جاء في بيان (قصاصون بلا حدود): "الجمعية الإفريقية لرعاية الأُمومة والطفولة لم تلتزم بما يليها في الاتفاق، وحولت الحصيلة الإبداعية للورشة إلى مسار آخر لا يمت للموضوع بأدنى صلة. واستغلت سماحة الكُتاب وانفعالهم مع القضايا الإنسانية وأقحمت منتوجهم الإبداعي واستخدمت أسمائهم لمصلحة جهة لا علاقة لهم بها، ولا علاقة للجهة بورشة الإبداع في خدمة الأيتام. حيث قامت الجمعية الإفريقية لرعاية الأمومة والطفولة بطباعة الكتاب ونشره في مجموعة قصصية تحت عنوان (لست وحدك).. كـ(طبعة خاصة بمناسبة انعقاد المؤتمر العام الثامن للحركة الإسلامية السودانية – نوفمبر 2012م). دون الرجوع إلى الكتاب لمعرفة مواقفهم، وهذا ما يدل على منتهى الاستخفاف بالإبداع والمبدعين. كما نُسب تأليف القصص إلى الأستاذة زينب بليل".. أو ما يمكن أن نسميه عملية خداع مزدوجة: نسبة نصوص الكتاب لمؤلف آخر، وإقحام المشاركين فيه من مؤلفين في (مؤتمر حزبي) لا يعنيهم ولا يخصهم البتة.

قال الراوي: من الواضح أن أعضاء نادي القصة السوداني من المشاركين في الورشة المذكورة، وأعضاء مجموعة (قصاصون بلا حدود) الذين أصدروا هذا البيان؛ أن الجميع تعرضوا لعملية (احتيال) وغش كبرى، ربما أسهم في مرورها ثقتهم كـ (مبدعين) في الجهة التي اتفقوا معها على نشر الكتاب وهي جهة يحيل مسمّاها إلى نبل قيمي ينأى بها عن شبهات الكذب والتزوير وخداع الآخرين، بيد أن ما حدث عكس ذلك تماما، وتلك ورطة "منظمات المجتمع المدني السودانية) الكبرى!

ختم الراوي؛ قال: (القضية) الآن أمام القضاء، وسيبت فيها عاجلاً أو آجلا.

استدرك الراوي؛ قال: الاختشوا ماتوا!


ربع قرن بين معسكرين ..

يحكى أن بانتهاء 30 يونيو الذي انصرم تكون حكومة (الإنقاذ الوطني) قد بلغت من العمر ربع قرن بالتمام والكمال. خمسة وعشرون عاما مضت سريعاً وكأنها ساعات من عمر هذا الزمان الممتد في الأزل. ربع قرن مرّ وانقضى، شاخ البعض وتداعى في قلب (الدوامة)، كما ولد آخرون وشبوا وولجوا دوامة (الربعية)، ومات – بلا شك- كثيرون، واغترب وهاجر...الخ وبالتأكيد هنالك من يتذكر "تلك الساعات" وكأنها الآن: البيان، الطوارئ، المحاكمات، الوعود، و"نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" تلك الأناشيد، والألقاب الهوليودية، والتحديات الكونية الكبرى، والصراع الذي دشن من أول يوم واستمر حتى الآن ما بين فريقين؛ المعارضون المراهنون على انتهاء (الإنقاذ) سريعا، وأنصارها ممن يراهنون على استمرارها، ربما إلى الأبد!

قال الراوي: في البداية، بين أطياف واسعة من المعسكرين؛ بدا الرهان وكأنه (مزحة) تأخذ معناها من تأكيد ويقينية كل معسكر على حقيقة ما راهن عليه. معسكر المعارضين (العريض حينها) ركز بشكل كبير وربما لأكثر من ثلاثة أعوام متتالية على رقم بعينه ظل يتكرر كلما دار الحديث عن عمر (الإنقاذ) واحتمالات استمرارها من مواتها؛ كل المنسوبين إلى هذا المعسكر سواء على مستوى القاعدة أو القيادات كانوا يرددون في ثقة يقينية غريبة أن الأمر لن يتجاوز "تلاتة شهور بس، والفيلم دا بنتهي"، "تلاتة شهور ما تزيد جماعتك ديل يوم تاني"، ديل أديهم تلاتة شهور، والضحك يشرطهم"، هكذ تتكرر ذات الشهور الرهانية الثلاثة إلى أن (فجأة) سكت الناس عنها.. ماذا حدث؟ وكيف؟ وأين؟

قال الراوي: هناك المعسكر الآخر طبعا: أنصار الإنقاذ، أولئك الذين بدأوا معها منذ كانت (تخطيطا في الظلام)، أو أولئك الذين وجدوا فيها (ضالتهم المنتهزة)، المهم أن أعضاء هذا المعسكر في مقابل مقولة التحدي المطلقة من المعسكر الآخر (المقولة الزمنية – الوقتية – ما يعنينا هنا)، انقسموا هم أنفسهم إلى كذا معسكر، بعضهم التزم الصمت والعمل (الإنقاذي حفرا وكسرا)، بعضهم تفرغ للتحدي الصريح كلاما "مية سنة عديل، مسمار أبدي.. قاعدين"، والبعض الثالث بدا مترددا غير واثق فامسك عصا الزمن من النصف إلى أن تسحب عليها رويدا رويدا حتى أوصلته إلى (الربعية).. أين؟ وكيف؟ وماذا حدث؟

ختم الراوي؛ قال: 25 عاما، وكم من مياه عبرت تحت الجسر!

استدرك الراوي؛ قال: ربع قرن وكم من مياه تسلقت هذا الجسر!

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي