السبت، 19 يوليو 2014

أساطير صغيرة 2014 -النصف الأول


*أساطير صغيرة

معكوس كرسي الاعتراف والسارد "السوداني" ..

يحكى أن المعلومة المتداولة تقول إنّ في العاصمة البريطانية لندن، وبعض الدول الأوربية الأخرى، توجد مكتبة اسمها (مكتبة الإنسان)، يتم الدخول إليها بعد دفع رسوم تشجيعية، لكن بداخلها يوجد مجموعة من الأشخاص يقدمون أنفسهم عن طريق (الإيجار بالساعة)؛ ليحكوا لزائري المكتبة قصص حياتهم بكل تفاصيلها؛ والشرط الوحيد أن تحتوي هذه السير الحياتية على تفاصيل "حياة صعبة وقاسية" عاشاها هؤلاء الأشخاص وعانوا خلالها شظف العيش و(وجع) الحياة.. والأمر في حالة النظر إليه من حيث العمق يبدو أقرب إلى أن يكون (معكوساً) لكرسي الاعتراف المعروف في الثقافة المسيحية والغربية بصورة عامة.
قال الراوي: أما النكتة (غير المنتشرة) فتقول إن أحد السودانيين الموجودين في لندن قادته الصدفة إلى (مكتبة الإنسان)، وحين عرف بتفاصيل ما يجري داخلها قرر أن يؤجر نفسه ضمن آخرين وجدهم قد سبقوه من جنسيات أخرى، لاسيما وأنه كان يعاني من بطالة (قاحلة) مصحوبة بفلس (بارد) لقدومه حديثا إلى هذه البلاد.. المهم عرض الرجل نفسه على إدارة المكتبة وحكى شذرات من سيرته الموجعة، فتم قبوله على الفور، وأعلن عبر الصوت والإنترنت والبوسترات عن وصول أحد أهم الشخصيات الجديدة؛ ذات الحكايات (المبكية حزنا) للراغبين من زائري المكتبة.
قال الراوي: بعد مرور أقل من أسبوع على التحاقه للعمل في (مكتبة الإنسان) "سارد قصص حياتية محزنة" استحوذ المواطن السوداني على كل الزبائن، وأصبح الرواد يقفون في صفوف طويلة لحجز أدوارهم للاستماع إليه، بينما بقية "الساردين – المعترفين" جالسين على كراسيهم يهشون ذباب الأفكار ولا أحد يقترب منهم، ومن بين هؤلاء مواطن مصري، أدهشه الأمر وحيره وسبب له حالة من الغيظ الكتيم، فقرر أن يستفسر السوداني عن سر نجاحه وارتفاع أسهمه، بينما الآخرون في حالة بوار "سيري" عقيم!
قال الراوي: إذن قرر سارد الأحزان الحياتية المصري سؤال ساردها السوداني يعد أن (لهط السوق)، والسوداني حين سؤاله لم يخف الإجابة ولم يمانع في كشف سره، وقال للمصري: "والله بحكي ليهم قصة واحدة مكررة، بلخص فيها تفاصيل يومي من الصباح للمسا في الخرطوم". لكن المصري لم يقتنع بهذه الإجابة وقرر التسلل بين "جمهور" السوداني والاستماع إلى حكايته المبكية!
ختم الراوي؛ قال: وهو يجلس متنكرا بين الحضور أحس سارد الأحزان المصري بأن أحزانه لا تسوى شيئا وسط هذا (الفيض المأساوي) الذي يرويه السارد السوداني، بداية من استيقاظه من النوم ومعاناته مع "الموية القاطعة" وانعدام "السكر والشاي"، مرورا بانتظاره لـ "المواصلات" في ساعات الصباح المبكرة، انتهاء بمكابداته اليومية مع الأسعار المتصاعدة، والدولار المهرول، والغبار وحرارة الشمس والأمراض وسوء المستشفيات.. إلخ الحياة (المأساة).
استدرك الراوي؛ قال: بكى سارد الأحزان المصري بالدمع السخين وهو يحتضن السارد السوداني ويضاعف له (حق الإيجار).


شركة السيدين "عين" و"سين" ..

يحكى أن قصة السيدين "عين" و"سين" تنبني في الأساس على الرمزية الأبوية التي جمعت بين الاثنين وأنتجت الحكمة السردية التي تدفعنا الآن إلى إيراد مجتزءات مبتسرة من هذه القصة. فالسيد "عين" يقع من السيد "سين" موقع الابن للأب، ولكنها بنوة روحية، إذ أن السيد "سين" هو من تولى "عين" بالرعاية التنشئية والفكرية والمبدئية، إلى أن شب وصار منازعا له في الأفكار والرؤية والفلسفة (الدنيوية) والتمذهب الديني.. الخ، فعمد – أي "عين" – إلى محاولة التخلص من الأب "سين" وفقا لنظرية قتل الأب المعروفة.. أما الشيء العظيم الذي جمع بين الاثنين فهو سعيهما الحثيث لنيل المجد وجمع الدنيا والآخرة في (كيس) واحد إلا أنهما منيا بالفشل الذريع في مسعاهما هذا.
قال الراوي: وتبدأ الحكاية حين انتبه السيد "سين" بذكائه المعهود وفطنته الحاضرة إلى أن الشاب (السكيورتي) الجديد المكلف بالجلوس في استقبال الشركة، يتمتع بحس (أمني) غير عادي، وأنه في فترة وجيزة استطاع أن يصنف زوار مكتب الشركة بحسب خططهم المستبطنة وميولاتهم الانتهازية وخبراتهم التخريبية أو التجسسية، وأن يفرزهم تماما عن الزوار الخيرين ممن يسعون للتحالف الجدي مع الشركة والإسهام في رفعتها وتقدمها.
قال الراوي: بعد ثلاثة إلى أربعة اختبارات سريعة أصبح السيد "عين" – السكيورتي السابق - من المقربين جداً للسيد "سين" رئيس الشركة. نفذ في البداية مهاما تتعلق بوظيفته السابقة قبل أن ينتقل إلى موقع السكرتير المؤتمن. أرسل إلى أفرع الشركة المتعددة مندوبا للمراجعة فقضى بخطط (ثعلبية) على مؤامرات وخطط كانت تهدف لإزاحة الرئيس. نجح سريعا في فهم (النظام) المعقد الذي تدار به الشركة. وانتقل مرة أخرى من سكرتير للسيد الرئيس لمدير مكتبه، ثم نائب مدير، وعضو مجلس إدارة.. ثم بـ(انقلاب انتهازي مكتمل الأركان) صار المدير!
قال الراوي: نعم، القصة تبدو مختصرة ومبتسرة جدا، لكن السيد "سين" في ظرف سنوات قلائل صعد على أكتاف الجميع ثم أطاح برئيسه السابق وبدأ في السيطرة على مفاصل الشركة داخل البلاد وخارجها، إلى أن فوجئ بتحالف (سري - معقد) يجمع أعداء الأمس من كل اتجاه لتشكيل جبهة عنيفة للإطاحة به.
ختم الراوي؛ قال: في (زنقته) التي قربته من فقدان كل خيوط اللعبة، لم يجد السيد "عين" بدا من العودة إلى (الأب الروحي)؛ الذي تكشف له من وراء حجب الحصار أنه في النهاية من يحرك الخيوط داخل أفرع الشركة المتحالفة ضده.. فالجميع هناك في الظلمة أبناؤه!
استدرك الراوي؛ قال: ذات صباح غائم فوجئ موظفو الشركة الصغار بالرئيس القديم يدخل عليهم مترافقا مع الرئيس الجديد بذات ابتسامته – تلك!


كوميديا الكآبة: ارتفاع الدولار.. انخفاض القيمة ..

يحكى أن وضمن المتوالية المتصاعدة لارتفاع قيمة الدولار الأمريكي مقابل العملة المحلية (الجنيه السوداني)، شاع يوم أمس أن أسعار الدولار وصلت إلى الرقم تسعة آلاف جنيه سوداني، وأنها مرشحة للارتفاع أكثر خلال الأيام المقبلة، ويأتي هذا بالرغم من توقعات البعض بأن تنخفض قيمة الدولار مقابل الجنيه بعد الوديعة القطرية الدولارية المليارية التي أدخلت مؤخرا إلى خزينة بنك السودان، لكن يبدو أن (التحليلات) لم تكن صائبة أو أن (ظروفا) أخرى هي التي تتحكم في أسعار العملات وصعودها المتتالي و(صفع) الجنيه السوداني وتدني قيمته.. وهذا شأن اقتصادي بحت يحتاج لمتخصصين والمجال ليس مجاله هنا، فما يهمنا الآن وهنا حالة (التنكيت) التي انتابت الكثيرين بعد انتشار هذا الخبر، أو بالأحرى هي التي أسهمت في انتشاره.
قال الراوي: "الدولار الأمريكي يحرز الهدف التاسع في مرمي الجنيه السوداني، المطلوب من الجمهور مواصلة التشجيع والصبر على الإدارة والتحلي بالروح الرياضية وعدم إلقاء الحجارة والاحتجاجات ونحن على ثقة أن جنيهنا سيحرز التعادل ويتفوق".. بهذا (البوست) المكبسل الدقيق الساخر على "فيس بوك" لخص الصحفي "علاء الدين محمود"، أزمة الدولار ومأساة المواطنين (الجمهور) وسخرية الحكم (السوق) ولا مبالاة الحكومة (الإدارة).. تعليق كوميدي هازل يلخص مأزق البلاد الاقتصادي، الاجتماعي، الرياضي؛ لكنها كوميديا كئيبة تدخل في باب "شر البلية ما يضحك".
قال الراوي: وعلى ذات المنوال دارت تعليقات الكثيرين من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، في تداول الخبر بصورة ساخرة وناقدة تعبر عن الحال المتردي الذي وصل إليه الاقتصاد وما قاد إليه من ترد آخر في حياة الناس وتدهور معيشي وغلاء فاحش؛ يجد مبرره لدى أصغر تاجر في (سعر الدولار).. فهل يستطيع المواطن (الجمهور) أن يتصور إمكانية تحقيق فريقه (الجنيه) التعادل أمام الدولار؟ وهل بإمكان (الخيال) بكل قدرته أن ينزل مثل هذه الحلم إلى أرض الواقع؟ وهل يمكن لهذا (الجمهور) أن يستيقظ يوما ويجد الأسعار "كل الأسعار" في حالة ثبات، لم تتصاعد ولم تهبط؛ لكنها فقط تقف في مكانها؟
ختم الراوي؛ قال: روح الدعابة المثقلة بالإحباط تنقل الواقع النفسي لحال البلد، وتقدم لمن أراد صورة نموذجية للواقع الذي يعيشه الناس، الذي يعبر بامتياز عن (اليأس) من (الإدارة) ومن إصلاح حالها!
استدرك الراوي؛ قال: وكما علق أحدهم: التحكيم فاشل!

أن تفسد فساداً في الأرض ..

يحكى أن من معاني كلمة فساد في القواميس العربية التالي: "الفَسَادُ - فَسَادُ: الفَسَادُ: التَّلَفُ والعَطَبُ. والفَسَادُ الاضطراب والخلل. و الفَسَادُ الجَدْبُ والقَحْطُ" وما يليه: " مصدر فسَدَ وفسُدَ - عاث في الأرض فسادًا: أفسد، أحدث فيها أضرارًا أو خرابًا. سلوك أو عادات شرِّيرة أو خبيثة. جدب وقحط وكوارث " { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ }". إلحاق الضَّرر "{ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا }. (الأحياء) انحطاط يحدث للخلايا المقوِّمة فتقل قيمتها الوظيفيَّة "فساد الدّم". فساد حِسّ : (طب) إحساس غير عاديّ سببه اضطراب وظائفيّ في الجهاز العصبيّ.، هذه المعاني - ويتوفر الكثير – مأخوذة بسهولة عن الشبكة العالمية للإنترنت، هذه النعمة التي لو نشأ مبتكروها في بيئة (فاسدة) لما أتيح لنا التمتع بها، فالحمدلله.
قال الراوي: هل نحتاج حقيقة إلى إنشاء مراكز قكرية – نفسية – مجتمعية – علمية، لتكشف لنا الطبيعة الكامنة في الفساد، أن توضح لنا الأسباب التي تجعله – أي الفساد – متفشيا وسط مجتمعنا، يجد تبريره في الممارسة اليومية وفي التشجيع الرسمي والإعلامي والتباهي المجتمعي؟! هل وبهذا الشكل يخرج (الفساد) من دائرة الأزمات الأخلاقية ليلج دوائر الأزمات النفس جماعية؟ هل أصبح الفساد قيمة؟ هل هو مرآة نفسر من خلالها هذه الحالة من العدم والتفكك التي تجتاح مجتمعنا وتكادي تقضي على سلامته وأمنه؟
قال الراوي: قضية (الفساد) بلا شك أصبحت خارج الإطار "الديني الأخلاقي والقيمي"، فما يتم الكشف عنه (يوميا) عبر وسائل الإعلام ومن خلال التقارير الرسمية يشير إلى أن هذه الممارسة (الدنيئة) تكاد أن تتحول إلى سلوك – طبيعي، يمارس من قبل كل من له (ولاية) على المال العام – أو حتى الخاص، فالجميع في تسابق لـ (لهط) المليارات وبناء العمارات وتحطيم وتدمير البنية الاقتصادية للبلاد وإفشاء التفسخ الأخلاقي داخل المجتمع والمباعدة الظالمة بين أفراده من حيث التباين في مستويات الفقر والثراء؛ بصورة مستفزة تدفع الجميع إلى واحدة من حالتين: إما اللحاق بركب المفسدين، أو التحول إلى ملايين الشخصيات المستنسخة عن (شمشون الجبار)!
ختم الراوي؛ قال: (عَمَّ الْفَسَادُ الْمَدِينَةَ ": الْفِسْقُ، اللَّهْوُ وَالانْحِلاَلُ وَعَدَمُ احْتِرَامِ الأَعْرَافِ وَالْقَوَانِينِ. "فَسَادُ الأَخْلاَقِ" "يَنْشُرُ الْفَسَادَ أَيْنَمَا حَلَّ وَارْتَحَلَ" "الاِسْتِبْدَادُ أَصْلٌ لِكُلِّ فَسَادٍ" - عن الكواكبي).
استدرك الراوي؛ قال: لا تدفعوا الناس لامتطاء المقولة الشمشونية (عليّ وعلى أعدائي)!


يوم الصحافة.. كل صباح جديد "يغترب" صحفي جميل ..
يحكى أن العالم احتفل أمس الأول "3 مايو" باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو "مناسبة لتعريف الجماهير بانتهاكات حق الحرية في التعبير، وكذلك كمناسبة لتذكيرهم بالعديد من الصحافيين الشجعان الذين آثروا الموت أو السجن في سبيل تزويدهم بالأخبار اليومية" – [ويكيبيديا]. وبالطبع الصحافيون في كل أنحاء العالم هم من احتفلوا بهذا اليوم، مستدعين في كل مكان وجدوا فيه الصور المشرفة للأدوار العظيمة التي يقدمها المراسلون والمحررون والمصورون ورسامو الكاركتير وكل الطواقم الصحفية العاملة في هذه المهنة الشاقة؛ في سبيل نقل المعلومة الصادقة وكشف (الزيف) وفضح الممارسات منتجة الفساد التي تحاصر الإنسان أينما وجد؛ سواء من قبل الحكومات المتحكمة أو الجيوش (المغامرة) أو الشركات الضخمة – ذات الجشع.
قال الراوي: في السودان، احتفلت المنظمات والجهات الصحفية بمختلف مسمياتها بيومهم العالمي، وركزوا في احتفالهم على الشروط المهنية، وعلى الحريات الصحفية، وعلى القيود المفروضة على الصحافة والصحافيين، إلى جانب الظروف الاقتصادية المكبلة التي تجعل الصحافة السودانية تمر – إلى جانب الأسباب آنفة الذكر- بواحدة من أدق مراحل مسيرتها التطورية؛ حيث تخوف الجميع من أن تقود هذه الظروف إلى تراجع في كافة المستويات "المهنية، والنشر والتوزيع، والكادر البشري"!
قال الراوي: إذن ما يعنينا هنا، هو التركيز على حالة الاستنزاف اليومي للكوادر الصحافية السودانية المؤهلة وذات الخبرات العالية، أو من فئة الشباب الموهوبين الذين قدموا في سنوات قليلة نماذج وصورا لأصوات جديدة يمكن أن تنتقل بالصحافة إلى مساحات أرحب من حيث الأفكار وأساليب التحرير والإدارة وحتى سُبل النشر والتوزيع "القرار نموذجا"، بيد أن الواقع يعكس جانبا مظلما لمستقبل الصحافة السودانية متمثلا في الخروج (اليومي) لهذه الأصوات من (الحلبة) سواء بهجر المهنة إلى مهن أخرى (تاكل عيش) أو عبر التعاقد مع صحف ومؤسسات إعلامية عربية في دول (الخليج) والهجرة من (زمنا بدري)!
قال الراوي: الصحافيون لا يختلفون عن غيرهم من الناس في احتياجاتهم المعيشية والحياتية، إلا أن معاناة الصحافي - مع ظروف مهنته - تعد مضاعفة بالنسبة للآخرين، وذلك يعود لطبيعة هذه المهنة (المتقلبة)، لا سيما في بلد مثل السودان (تُطلق) فيه الصحف و(توقف) بأساليب لا تراعي أدنى حد لوضعية طواقمها العاملة، هذا ناهيك عن مخاطر المهنة الأخرى المعروفة للجميع.
ختم الراوي؛ قال: اليأس والإحباط يدفعان الصحفيين لخيارين: إما ترك المهنة أو الهجرة.
استدرك الراوي؛ قال: في كل صباح جديد (يغترب) صحفي جميل.

السيد النور.. المفاوض القبلي النبيل ..
يحكى أن إحدى الركائز الأساسية، بل الركيزة الأولى في عملية التفاوض الأهلي في قضايا السلام، هو الإنسان، الذي ينتمي إلى الأرض التي تشهد (الصراع)، ويحمل في ذاكرته ووجدانه موروثها الثقافي والحضاري، مما يمكنه من فهم طبيعة (النزاع) وبالتالي القدرة على ملافاته ومعالجته مستعينا بخبرته الحياتية في معرفة طبائع الناس، ومخزونه المعرفي المتراكم إثر سنوات من الملاحظة والقراءة المتأنية للواقع المتبدل أمامه في كل يوم، لا سيما إن كان من مكان مثل إقليم (دارفور) المنكوب بالحروب والنزاعات والصراعات؛ قبيلة كانت، أو على الموارد، أو ما بين الحكومة ومن تمردوا عليها.
قال الراوي: السيد النور محمد، المواطن السوداني الذي ترجع أصوله إلى منطقة برام بجنوب دارفور، والمقيم بمدينة نيالا منذ ستينيات القرن الماضي وأحد وجهائها؛ يمثل هذا الرجل صورة (ملهمة) لرجال من دارفور بالتحديد مارسوا لسنوات طويلة عملية التفاوض والصلح القبلي، وأسهموا بقدر كبير في إطفاء نيران حروب ونزاعات بحنكتهم ودربتهم والقبول الكبير الذي يجدونه بين أطياف القبائل الدارفورية (المتصارعة) لأي سبب من الأسباب.
قال الراوي: ما ساعد (المفاوض) السيد النور في إنجاح الكثير من القضايا التي شارك في إطفاء نيرانها، التحاقه في بداية حياته بالعمل الشرطي، في واحدة من الوظائف الشرطية التي تتطلب حسا ثقافيا وذكاء مجتمعيا متوقدا، وهي وظيفة (المتحري كاتب السجلات) التي أتاحت له التأمل والتمعن في طبيعة الإنسان السوداني في مختلف المناطق التي عمل بها سواء في دارفور أو جنوب السودان "وتلك قصة أخرى – جنوب السودان، سيأتي يوم تناولها"، فالرجل يتمتع بذاكرة صلبة في تتبع مسارات الأحداث وتواريخها والتوثيق لكل حادثة منفصلة بما يشكل مرجعا لا غني عنه – لمن أراد!
قال الراوي: جانب آخر في شخصية السيد النور (المفاوض) ربما أسهم أيضا في نجاحه في علاج كثير من القضايا والأحداث، وهو تعمقه في معرفة (أحوال) الناس في تلك البقعة الكريمة من البلاد، فقد خاض غمار انتخابات المجالس التشريعية في الإقليم لأكثر من مرة مما قربه أكثر من (المواطنين) ووطد معرفته بطبيعة وجغرافيا المنطقة، هذا إضافة إلى مشاركاته المتعددة في مؤتمرات الصلح القبلي على المستويين الإقليمي والقومي. أما على المستوى الشخصي "لمست هذا من خلال جلسات مطولة جمعتني به" فالرجل يتمتع برحابة صدر وشخصية ذات كاريزما مؤثرة، ويعد أحد القلائل الذين أسهموا (وهو في الظل) في التعليم والتنمية لمنطقته عبر جهد شخصي سخي دون شكوى أو مطالبة.
ختم الراوي؛ قال: هل بالإمكان الاستفادة من مثل هذه الشخصيات النادرة في تفعيل آلية التفاوض التي – من الواضح- لا تجد من يدعمها أو من يتابع نتائجها؟
وما الذي يمنع مراكز البحوث المختصة بقضايا السلام من أن (تأخذ) من آلية التفاوض القبلي، كما فعلت مراكز وجامعات عالمية؟
استدرك الراوي: من يدري ربما نجنب الوطن ويلات ما يعايشه الآن من إحن وفتن لو احتكمنا إلى حكمة (المفاوض القبلي) خاصة في دارفور.. لكن من يسمع؟


الظاهرة "العكاشية" ..

يحكى أن ما من إعلامي عربي في الآونة الأخيرة، حظي بهذا القدر الكبير من المتابعة والتعليقات والاستهزاء والسخرية والمعجبين! مثلما يحظى بذلك صاحب قناة الفراعين ومقدم أغلب برامجها المصري توفيق عكاشة، الذي انبثق كـ (ظاهرة) عقب الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ حيث ظهر وهو يرفل في ثياب (الأراجوز) غير المبالي حتى يتسنى له إطلاق الأحكام الغرائبية/المضحكة وتوجيه الإساءات والسخرية من الجميع، قبل أن يعلن في واحدة من أضخم كوميديات العصر الواقعية ترشحه للرئاسة المصرية أمام كل من حمدين صباحي ومحمد مرسي والدكتور محمد البرادعي؛ ثم بدأ - عبر قناته الخاصة – إطلاق كراته البالونية المسمومة صوب منافسيه؛ لاسيما "البرادعي" الذي طالبه بمناظرة وظهر في واحدة من حلقات برنامجه العبثي وهو يسأله عن سعر البرسيم وكيف تنظف الملوخية، ويقارن في سخف بين شهادتيهما في الدكتوراه والكثير من أوهام العظمة!
قال الراوي: انتبه السودانيون للظاهرة العكاشية العجيبة حين صرح الرجل ضمن برنامجه للترشح الرئاسي في مصر، بأنه سيعيد السودان مرة أخرى لمصر، لأنه – أي السودان – في الأصل جزء من مصر؛ قائلا ببجاحة: (لا يوجد شيء اسمه السودان)، بالطبع لم يتعامل السودانيون لا رسميا أو شعبيا مع أحاديث الرجل وعدوها ضربا من (الهبل) وتصريحات تصدر من شخص غير مسؤول وبالتالي لا تستحق التوقف عندها.. بيد أن كثيرا من (خطرفات) هذا الرجل أنزلت على أرض الواقع بشكل من الأشكال بعد مرور وقت على إعلانها في قناته العبثية!
قال الراوي: توفيق عكاشة قد يكون نموذجا مثاليا لأداة الإعلام الاختبارية من خلال بث الإشاعات وتسريب المعلومات السرية وجس نبض الجماهير وتهيئتهم لتغيرات سياسية غير متوقعة، إضافة إلى محاربة بعض الشخصيات العامة وفضح بعض ممارساتها الخاصة جدا، ومحاصراتها والتضييق عليها إلى أن تصمت أو تخرج من دائرة الفعل السياسي.. فالمهرج يطلق أقواله كـ(العبيط) غير المؤاخذ والذي لا يمثل أكثر من ظاهرة هزلية تعبر عن التحولات الكبيرة التي تضرب البلاد.. لكن هل قناة الفراعين وما يماثلها من مواعين إعلامية في العالم تقف عند هذا الدور المتوهم فقط.
ختم الراوي، قال: هل توجد امتدادات لمدرسة توفيق عكاشة بكل خبثها ولعبها على الحبال في السودان؟ هل هناك من ينتهج بالفعل هذه الطرائق الإعلامية منتجة التحريف والتضخيم والمبالغة والأكاذيب لتمرير (خطط) جهنمية ستولد في المستقبل القريب؟
استدرك الراوي؛ قال: الظاهرة العكاشية منتشرة كانتشار النار في الهشيم؛ هنا وهناك وفي كل مكان!


20 سنة وتختفي العمالة البشرية ..

يحكى أن الملياردير والمبرمج الأمريكي بيل غيتس، صاحب شركات ميكروسوفت للبرمجيات وأجهزة الكمبيوتر، أطلق نهاية الأسبوع المنصرم، تصريحا جديدا يضاف إلى معلومات وأخبار سابقة تهدد بوضعية العمال على الأرض خلال المستقبل القريب. قال بيل غيتس نقلا عن مواقع إلكترونية: "إنّ عملية إحلال الآلة محل اليد البشرية سواء أكانت من أجل القيادة أو النوادل (جمع نادل) أو الممرضات, إنها تتقدم.. وأن التكونولوجيا مع الوقت سوق تقلل طلب العمل, وخصوصا في العمالة غير الماهرة في خلال 20 سنة من الآن, وأن الطلب على اليد العاملة متعددة المهارات سوف يكون أقل بكثير.. ولا أظن أن البشر يأخذون هذا في الاعتبار".
قال الراوي: إذن كثير من المشاهد التي كانت تبدو ضربا من الخيال وهي تعرض على شاشة السينما تمثل مجموعات كبيرة من الرجال الآليين وهم يؤدون مهاما في المصانع الكبرى وداخل البيوت وفي المطاعم والمقاهي وفي أعمال الحراسة والسواقة وغيرها؛ ستتحقق عما قريب ويجد الكثير من العمال على وجه هذه الأرض أنفسهم بلا وظائف، ضائعين، وفقراء ومعدمين، مما قد يقود – حتماً – إلى ثورة (ما) تتماشى مع التغيير الكبير الذي سيحدث لهؤلاء و(تخلق) لهم بالتالي وضعية تعويضية عما فقدوه من فرص عمل كانت ولو بالكاد تقيهم العوز وذل الحاجة!
قال الراوي: بالعودة مرة أخرى لبيل غيتس نجده يقول أيضا: "عندما يقول الناس بأننا يجب أن نرفع الحد الأدنى من الأجور، فالذي يقلقني هو ما هو مفعول ذلك في خلق الوظائف؟.. بل من المحتمل أن يؤثر هذا الطلب على طيف واسع من العمال باستبدالهم بآلات وهذا الذي أنا قلق حياله بشدة". وهنا يفسر الرجل المأزق الذي يواجه (العمالة) منذ الآن في حال طالبت بتحسين أوضاعها ورفع أجورها، فالتهديد ماثل بإحلال العمالة الآلية بديلة للبشرية، مما يعني أن (عمال الأرض وشعوبه المضطهدة) إلى زوال!
قال الراوي: طيب، لننظر إلى حالنا: من موقع (سطحي جدا) قد يرى البعض أن هذا الأمر والمسمى (Automation) التي تعني إبدال البشر بالآلات في كثير من الوظائف المهمة والحيوية لا يعنينا كثيرا، فنحن أصلا أبعد ما نكون عن التكنولوجيا والتطور الحضاري الذي حقق هذه الطفرة، وهؤلاء ينسون الحقائق التي تؤكد على التداخل والترابط (الشيطاني) ما بين رأس المال والشركات (الماصة) في كل العالم؛ دون تفريق بين قارة فقيرة وأخرى غنية، كما ينسون أو يتناسون ملايين العمال (المهرة – ملح الأرض) المهاجرين والمغتربين في نواحي الأرض الأربعة سعيا وراء الرزق الحلال؛ ما هو مصيرهم مع الـ(Automation)؟
ختم الراوي؛ قال: الثورة التقنية تتقدم ببلايين السنين الضوئية على التحول البشري المفترض؟
استدرك الراوي؛ قال: هدم كل المفاهيم والأيديولوجيات القديمة، هو المقابل الوحيد لهذا (السحق) البشري!

بوكو حرام وبعث أسواق النخاسة ..

يحكى أن حركة بوكو حرام النيجرية رغم ممارستها لكافة أشكال الإرهاب ضد المواطنين الأبرياء قتلا وحرقا وتشريدا وتطبيقا جائرا لما تزعم أنه شرع الله، رغم كل هذا العنف والرعب الممنهج الذي مارسته الحركة (الإرهابية) إلا أنها لم تجد الانتباهة الإعلامية الكافية التي تفضح بشاعة ممارساتها وتحذر من تفاقم هذا (الوهم الديني التطهيري) قبل استفحاله وتسرطنه؛ وهذا ما حدث بالفعل حين اختطفت الحركة أكثر من مئتي (تلميذة) قبل نحو شهر بالتقريب، ثم إعلان رئيس الحركة (الموتور) أبوبكر محمد شيكاو، أنه سيبيع التلميذات علنا في (سوق الله أكبر)، كما سيجبرهن على الزواج تطبيقا لشرع الله!
قال الراوي: بوكو حرام -بحسب ما هو متناقل- تعني "التربية الغربية حرام"، والاسم تعبير صارخ عن حالة الانفصال والتقوقع التي تحياها الكثير من الحركات المسماة إسلامية، والتي تمارس (الإرهاب) في أبشع صوره، فما يبدو أنه صدمة حضارية ضربت أعضاء هذه الحركات في مقابل التقدم المذهل الذي حققه الغرب، والبون الشاسع ما بين الواقعين "الغربي" والواقع الآخر الذي تنتمي إليه هذه الحركات سواء أكان عربيا أو أفريقيا أو غيره؛ دفع بهم (الإرهابيين) إلى الكفر بالقيم الغربية (الحضارية) والتحصن خلف (أسهل) وأقرب منجزاتهم الحضارية على مدار التاريخ دعاوى (الدين)؛ وتطويعه بالتالي ليكون أداة جهاد (زورا) في مواجهة هذه الحضارة الكافرة.. المفارقة أنه لا مفر من الحضارة الغربية، فكل شيء تستخدمه هذه الحركات الإرهابية أنتجته هذه الحضارة بدءا من وسائل الترويج التقنية الإعلامية وحتى السلاح (المميت) الذي يستخدمونه لقتل النفس!
قال الراوي: بالعودة إلى أبوبكر محمد شيكاو، رئيس حركة بوكو حرام النيجرية، الرجل الذي دشن في القرن الحادي وعشرين أول سوق علني للنخاسة، معيدا إلى الأذهان سنوات من (الظلام) والظلم وعسف العبودية؛ سيتأكد لنا هذا الرجل (موتور) بالفعل حين نقرأ بعض تصريحاته المجنونة مثل إعلانه أنه: "يحب أن يقتل من يأمره الله بقتله تماما كما يحب قتل الدجاج والأغنام"! فالرجل – بعيدا عن توهمه بأنه ظل الله في الأرض – لا يفرق بين البشر والأغنام والدجاج وبقية السوام والحيوانات؛ فالدم متساو بالنسبة إليه ولا يعني أكثر من ذبيح للتضحية أو الصيد أو حتى اللهو.
ختم الراوي؛ قال: بوكو حرام هددت في أيامنا هذه بقتل رئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارجريت تاتشر والبابا الراحل يوحنا بولس الثاني.. بوكو حرام تحيا خارج التاريخ وتمارس جنونها في قلب التاريخ.
استدرك الراوي؛ قال: (العبث) هو أن تهدد حتى بقتل الأموات.

قصة صاحب القصرين والمزرعتين ..

يحكى أن هذه القصة تأخذ تكنيك (الفلاش باك) في سرد تفاصيلها، وهي قصة بسيطة جدا، رواها أحد الأشخاص المجهولين؛ في مركبة مواصلات عامة، قيل مرة إنها بص الوالي وفي أخرى ذكر أنها حافلة صغيرة من النوع هايس، كما أن القصة تروى أيضا مع اختلاف إطاري صغير؛ فبينما قال البعض إن المواطن "أحد الأشخاص" روى القصة وهو يتحدث في مكالمة موبايلية طويلة وهو بمركبة المواصلات، أوضح آخرون أنهم سمعوها تنصتا في مقهى ست شاي على الشريط (النيلي) الطلق. بيد أن ما يعنينا هو (القصة) وما تحتويه من لذة وتشويق وعِبر يمكن استخلاصها والاستفادة منها في كافة (الاتجاهات) لمن أراد (الغرف) والأخذ من تجارب الآخرين في هذه الحياة السودانية متقلبة الأطوار.. غايتو.
قال الراوي: "بتذكر خالد الفيل"، بهذه الجملة ابتدر المواطن "أحد الأشخاص" حديثه؛ في الموبايل أو المقهى النيلي الطلق – مختلف عليه. ثم واصل كلامه دون انقطاع عدا هنيهات لرشف الشاي أو استقبال حديث الآخر، حيث قال: "ياخ، في المدرسة الابتدائية والمتوسطة، كان دائما منطويا على جسده الطويل حتى لقب بالأحدب، قبل أن يفرده ويطلقه فجأة في الجامعة؛ نعم دخل الجامعة، تصدق.. تذكرته، تمام، ذلك التلميذ الباهت ضعيف المستوى، المنزوي دائما والبعيد عن الألعاب وبقية النشاطات قبل أن يظهر فجأة في المدرسة الثانوية وهو يتنقل (تابعا) لجوقة ذلك التنظيم السياسي الطلابي؛ من ركن نقاش إلى آخر ومساهما بصورة ما في توزيع المناشير والأهم ترويع الآخرين بطوله الفارع وبنيته القوية.. تذكرته؟
قال الروي: وبحسب الناقلين – باتفاق – واصل المواطن "أحد الأشخاص" حديثه بالقول: "في مرة من سنوات الطشاش التسعيني اللافحة، قابلته في وسط الخرطوم، أنيقا نظيفا، يضع نظارة بيضاء، جسده مفرود فوق المعتاد، وبعينيه نظرة تعالي وتوهم وازدراء، سلم عليّ سريعا، وحدجني باستخفاف مبطن قبل أن (ينط) داخل سيارة بيضاء لامعة وينطلق بها، ويتركني ملطوعا في شمس النهار أتساءل في أي كوكب أنا؟.. طبعاً حادثني قليلا وأخبرني أنه الآن – وقتها – يشغل منصب مدير منظمة أو مؤسسة ما".
قال الراوي: ثم، بحسب ناقلي محادثة الموبايل، فإن الرجل أخذ يستمع طويلا للجانب الآخر قبل أن يقول: "تصدق مرة، بالمصادفة أيضا، وجدته يطل أمامي من شاشة التلفزيون متحدثا عن (نفرة) ما! ولولا تلجلجه وحديثه (الخارم بارم) الذي أعادني إلى زمن الابتدائي والتلميذ عديم المواهب الذي كانه لما عرفته. فالرجل يرفل في بدلة (كحلية) تبدو لائقة تماما على جسده الممتلئ، وبعينيه تلك النظرة (الشبعانة) ومقدمة البرنامج تخاطبه بلقب (الدكتور الفيل).. فيا سبحان الله.
ختم الراوي؛ قال: "تصدق عنده قصرين، واحد في الخرطوم والآخر في البلد".. هذه الجملة ذكرها رواد المقهى النيلي فقط.
استدرك الراوي؛ قال: "ومزرعتان عملاقتان كمان.. تصور" - وفقا لرواة الموبايل.


كل الناس يبكوكا ..

يحكى أن الحكاية الشعبية الأمثولة تروي قصة تحدي بين رعايا إحدى الممالك السودانية القديمة وأحد دهاة هذه المملكة من الرعايا أنفسهم، فالرجل تحدى بقية مواطني المملكة بقدرته على الدخول إلى الملك في عرشه وبين وزرائه وحراسه ووصفه بالمرض الذي يعاني منه ويخجل منه كثيرا؛ ويعدم على الفور كل من يشير إليه من بعيد أو قريب سواء في مجلسه أو في أي مكان آخر من مملكته السودانية مترامية الأطراف. والملك كان يعاني من مرض تناسلي يعرف في ذلك الزمان بـ(الكوكا)، ويبدو أنه بصورة من الصور كان مدعاة للخجل وينتقص من رجولة حامله لو كان رجلا عاديا ناهيك أن يكون ملكا. ولأن الملك كان ظالما متعسفا جبارا.. لم يجد رعاياه ما يخففون به عن غبنهم سوى السخرية من مرضه فكانوا يلقبونه سرا بـ(أبكوكا)!
قال الراوي: حكاية الملك (أب كوكا) شائعة ومعروفة، وربما نسبة ضئيلة جدا من أبناء الأجيال الجديدة لم يسمعوا بها، والقصة ذات مستويين؛ الأول سطحي يشتغل على مبدأ الطرافة وإظهار ذكاء وشجاعة مواطن عادي في مقابل سلطة وجبروت ملك مدجج بالسلاح ومحاط بالمستشارين وعرف عنه حساسيته الشديد تجاه موضوع التحدي (المرض)، أما المستوى الأعمق فيتمثل في صورة (الديكتاتور) وإلى أي مدى يمكن أن تتمدد وتستفحل مقابل استكانة وخوف الشعب، رغم معرفته بعلة هذا الديكتاتور (المرض في هذه الحالة)، ورغم قدرتهم على الاتحاد السري (السخرية) من هذا الديكتاتور إلا أنهم يفشلون في مواجهته (علنا) إلا عبر الحيلة والدهاء والمكر وعن طريق فرد واحد لا غالبيتهم.
قال الراوي: في الحكاية يدخل الرجل المتحدي إلى بلاط الملك ويحدثه أن البلاد ستحزن كبيرا في حال لا قدر الله (مات!)، ويقول له بشكل باك أن (ناس الشرق يبكوكا، وناس الغرب يبكوكا، وناس الجنوب يبكوكا، وناس الشمال يبكوكا)، فيكسب الرهان بوصفه للملك بـ (أبكوكا) وينال جائزتين؛ جائزة الرهان ومكافأة الملك. ورغم أن القصة تبدو (ضعيفة) في مسألة تقبل الملك لنعيه وهو حي إلا أنها تروى بتشويق وطرافة جاذبين.
ختم الراوي؛ قال: حكاية أبكوكا تدعو في قراءة فاحصة لها إلى الارتفاع بالاحتجاج من مستوى الهمس والسخرية إلى مستوى الفعل والتحدي، وإن دهاءً!
استدرك الراوي؛ قال: نعم، هناك فيل وهناك ظله وهناك طعن خارج إطار اللوحة.


السرطان البشري ..

يحكى أن من المعروف أن مرض السرطان يعد من أخطر الأمراض التي تواجه الإنسان في هذا العصر، وأكثرها تحديا للأطباء والعلماء؛ فهو المرض القاتل المتفشي الذي لم تتوفر له وسائل علاجية حتى الآن؛ وبحسب "ويكيبيديا" فإن السرطان يعرف كالتالي: "هو مجموعة من الأمراض التي تتميز خلاياها بالعدائية Aggressive (وهو النمو والانقسام من غير حدود)، وقدرة هذه الخلايا المنقسمة على غزو Invasion أنسجة مجاورة وتدميرها، أو الانتقال إلى أنسجة بعيدة في عملية نطلق عليها اسم النقيلة. وهذه القدرات هي صفات الورم الخبيث على عكس الورم الحميد، والذي يتميز بنمو محدد وعدم القدرة على الغزو وليس لهُ القدرة على الانتقال أو النقلية. كما يمكن تطور الورم الحميد إلى سرطان خبيث في بعض الأحيان". إذن هو ورم خبيث عدائي، يسكن أجسادنا!
قال الراوي: لكن بصراحة السرطان كعلة مرضية تصيب الأبدان لا يعنينا هنا كثيرا، إلا بالقدر الذي يجعله مدخلا لكي نتحدث عن أنواع سرطانية أخرى نطلق عليها إجرائيا مصطلح (السرطانات البشرية)؛ وهي مجموعة أورام اجتماعية – تاريخية تتشكل داخل الجسم البشري وتفعل فعل السرطان المرضي من (الانتهازية) و(العدائية) و(التدميرية)، وهي للأسف مستفحلة ومزمنة وذات تكرار (غبي) قد يعرض البشرية بأجمعها للتورم المرضي الذي يقود إلى فساد الجسد وتلاشيه ومواته!
قال الراوي: والسرطانات البشرية الفتاكة في صورها الأولية تجدها نابتة وناشبة في جسد (المجتمع) متشكلة في صور (ورمية) متنوعة ومتعددة، تبدأ صغيرة وهينة ورخوة ثم تأخذ في التضخم والتمدد في شكل فساد مجتمعي ينخر في الأخلاق والقيم ويدمر السلوك ويخرب الروح الجمعية ويعزز بداخلها مفاهيم الأنانية والشر والفساد والإفساد.

فال الراوي: بيد أن أشنع وأبشع تمظهرات السرطان البشري، تستبين في حالة القيادة السياسية، أو السلطة السياسية الحاكمة بالتحديد، في حال ارتقائها من حالة ورم سرطان (مضلل) إلى حالة قيادة يفترض فيها الأخذ بيد البشر صوب المراقي والحضارة والاستقرار.. والأمثلة السرطانية البشرية المتورمة خبثا؛ التي هددت تاريخ الإنسان وأوشكت على تدميره وإهلاكه كثيرة ومتعددة ولا تقف عند نموذج هولاكو أو هتلر أو طغاة أفريقيا في القرنين الماضي والحالي.. أورام وأورام!
ختم الراوي؛ قال: مثلما لم يصل الأطباء حتى الآن لعلاج شاف لمرض السرطان، لم تصل البشرية بعد لآلية تجتز بها أورامها السرطانية المفسدة.
استدرك الراوي؛ قال: حاصروا حالات (السرطنة) قبل استفحالها!

حكايات ليست للمعنى ..

يحكى أن العنوان أعلاه يتخذ من المخاتلة والمراوغة مدخلا لبث إحالاته ودلالاته المستولدة من الحكايات التي ستروى في الفقرات التالية لهذا المدخل، فما تقدمه الحكاية الواحدة من الحكايات الثلاث؛ يأتي وكأنه بلا مقصد أو أنها مسرودات عبثية أوجدتها لحظة (زهج) أو اكتئاب تعرض له راويها؛ أو قل رواتها فلا فرق. ثلاث حكايات تنهل من حياتنا العادية وتضرب في ذات الوتر الذي يشتغل على اليومي الذي يبدو – عبر الحكايا – وكأنه امتداد سرابي لقصة تتكرر هنا وهناك، مع اختلافات طفيفة في الأكسسوارات، الضحكات، القرف، الولادة، الموت.. إلخ الحياة. لكن، قد تبدو هذه الحكايات أيضا – من زاوية أخرى – مكتنزة بالمعنى، وحبلى بالإشارات والدلالات المحيلة إلى حياة أخرى؛ غير تلك.
قال الراوي: الحكاية الأولى:- (في لحظة فارقة من الليلة السابعة والثلاثين – بالضبط – وهو يبحر في أرق وغرق أيامه الأخيرة؛ وصل المواطن (ك) إلى نقطة اللا جدوى من كل هذا، وأن الحياة يمكن أن تعاش بشكل آخر وفي مكان آخر وبأدوات أخرى ونفس جديد. حرك بلسانه سفة تمباك له ساعتين بتجويف فمه؛ قذفها بعيدا وهمس "آخر سفة". وضع ساقه من جديد على الأخرى وواصل اكتشافاته وقطع قراراته "آخر كل شيء.. من الغد، كل شيء سينتهي". في غد اليوم التالي قدم المواطن (ك) استقالته من وظيفته الحكومية.. ترك المدينة وراءه وسافر صوب الخريف.
قال الراوي: الحكاية الثاتية:- (حين قررت المواطنة (ج) أنه لا فرق في الأشياء كانت الحياة تتسرب ببطء من جسدها الذاوي بفعل الكد والأمراض المزمنة، فطوال العشرين سنة الماضية كانت موزعة ما بين الجدية والالتزام في وظيفتها وما بين بيت ترعاه بتفان أكبر؛ إلى أن أخذت الأشياء تتضخم في كل يوم بصورة سرطانية ويتضاعف ويتضخم معها ورم ما بأحد ثدييها.. كانت تموت مبتسمة وهي تهمس "لا فرق").
قال الراوي: الحكاية الثالثة:- (في الصباح الذي يسبق انفصاله النهائي (وجدانيا وقيميا ونفسيا) عنهما؛ شاهد الفتى (س) أحدث شجار عنيف بين أمه الدكتورة الجامعية وأبيه البروفيسور (السياسي). خرج باتجاه مكان ما، دخن 3 سيجارات وأكد لنفسه أن لا فائدة وقال "طز" قبل أن يقفز صوب تلك الجهة.
ختم الراوي؛ قال: شعب كامل ينام كل يوم على (أوف) ويستيقظ على (توف) يا دنيا (توف).
استدرك الراوي؛ قال: وبحسب يوسف كونراد فإن الولد لم يقل "طز" إنما قال "زط"!


الكديس هتلر ..

يحكى أن من أكثر الأخبار الطريفة انتشارا الأسبوع المنصرم، ذلك الخبر الذي يتحدث عن تعرض قط إنجليزي لهجوم عنيف من قبل (مجموعة بشر) كادت أن تقتله، والخبر رغم طرافته إلا أنه لا يخلو من مأساوية للقسوة المبالغ فيها التي تعامل بها هؤلاء الناس مع قط صغير مسكين للدرجة التي تسببت له في عاهة مستديمة بفقدانه إحدى عينيه، وربما إشكالات (نفسية أخرى) قد تلازمه إلى آخر العمر وتحرمه من الاستمتاع بالحياة في شكلها الطبيعي. أما الملفت في هذا الخبر فهو أن أسباب الهجوم الوحشي على القط لا علاقة لها بدوافع سادية أو شيطنة أطفال كما يتصور، لكنها تعود إلى ما هو أعجب وأغرب من ذلك، فوجه القط المسكين هو السبب الرئيسي لأنه بدرجة من الدرجات يشبه وجه الزعيم النازي المرعب هتلر!
قال الراوي: القط الذي فقد عينه بسبب الشبه الغريب بينه وبين هتلر، تعرض بحسب صاحبته وتدعى كريستي، لمحاولات هجوم واغتيال عدة مرات، مشيرة إلى أن باز – اسم القط – "كثير من الناس شبهوه بالزعيم النازي هتلر، لكنه قط خجول جدا ورقيق". وملامح الشبه بين باز وهتلر تظهر في سواد خفيف يعلو فم باز المذموم فيبدو مشابها جدا لشارب هتلر الذي يعلو فما مذموما أيضا!
قال الراوي: الهجوم العنيف على (الكديس) الإنجليزي باز بسبب كراهية من هاجموه للزعيم النازي هتلر، يدفع للتساؤل – وإن عبثا – هل كراهية المهاجمين لهتلر كانت نتيجة لما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية والدمار الذي ألحقه بكوكب الأرض؛ أم لأسباب أخرى تتعلق فقط بشاربه وتقطيبة وجهه اللذين انتقلا بشكل ما لوجه القط باز! بمعنى آخر هل هؤلاء ضد الحرب والعنف والدمار (ما يمثله هتلر) أم أنهم ضد شيء آخر تمثله ملامح هتلر التي تسربت إلى وجه القط باز بعيدا عن إدانتهم ورفضهم للعنف والحرب والتقتيل؟!
قال الراوي: الأسئلة السابقة – في عبثيتها اللاهية - تحاكم (بالضبط) هؤلاء الأشخاص، الذين حاولوا قتل الكديس الإنجليزي باز، فقط لأن له وجه هتلر؛ تحاكمهم حول الدوافع (الكامنة) التي تجعل كراهيتهم لهتلر تضعهم معه في ذات المرتبة، وإن اختلف الضحايا؛ فممارسة القسوة والتعذيب والتجرد من الإنسانية في كلا الحالتين واحدة، وفقء عين قط مسكين لا يقل سادية وجنونا عن قتل الآخرين نتيجة أوهام تصورية عن التفوق أو النقاء أو غيره.
ختم الراوي؛ قال: الكديس الإنجليزي باز مسكين ظلمه الإنسان لأنه من حيث الشكل فقط شابهه.
استدرك الراوي؛ قال: كم هتلر حقيقي يمرحون على وجه البسيطة الآن؟

الناقلون عن سماع والمدونون كوبي بست..

يحكى أن بعض الأشخاص يمتازون بقدرات عالية جدا في استيعاب الأفكار المنقولة (كلاميا) ولململتها وتجميعها وضغطها بشكل مكثف حتى تتحول بقدرة قادر إلى أفكار خاصة بهم، يقومون بدورهم بنقلها إلى آخرين وهي في حالة سطوع جاذب وإمكانية على إثارة الأسئلة وخلق حالة من التفاكر حولها؛ للدرجة التي قد تظهرها أحيانا وكأنها أفكار أصيلة أنتجها ذهن (الناقل)، أو نتاج طبيعي لثقافة وقراءة هذا الشخص وتعمقه في القضية المثارة وبالتالي تدلل على تميزه وامتلاكه ناصية (الاستنارة) والقدرة على التحليل والربط بين الأفكار المتنافرة والخروج بـ (مقولات) تقترب من التفلسف أو توصف بالعمق الفكري، دون انتباهة من (المستقبلين) أنها (الأفكار) مجرد منقولات مشوهة تتفقد حق الأصالة المزعوم!

قال الراوي: المجال الأرحب الذي يتحرك فيه الناقلون عن سماع، أو لصوص الأفكار، هو المساحات التي يتحرك فيها المثقفون والساسة، سواء أكانت هذه المساحات متعلقة بالتدوين والكتابة؛ أو كانت بدورها كلامية "حوارات فكرية، جلسات وندوات نقدية، ملتقيات سياسية أو حزبية.. إلخ" حيث يظهر هؤلاء الأشخاص (الناقلون عن سماع) في أجمل ما يكون ويتقدمون الآخرين في طرح أطروحاتهم الفكرية (الضاربة) ويستحوذون على النسبة الأكبر من الإعجاب وإثارة الحماس، لاسيما أنه غالبا ما يكون صاحب الأفكار (الأصلي) من النوع الذي يرفض (الظهور) أو له رأي سلبي – نقدي في مثل هذه اللقاءات مما يترك المجال مفتوحا أمام اللصوص ليسرحوا ويمرحوا ويشوهوا ويغشوا!

قال الراوي: مع بروز دور وسائل التواصل الاجتماعي الكبير في الألفية الجديدة وجد الناقلون عن سماع فرصا أكبر للقفز على أكتاف الآخرين وخلق حالات من النجومية الزائفة المبنية على مجرد كلمات ترص في شكل جمل قصيرة تأخذ صفة الترتيب الفكري أو المنطقي أو تتلبس ثوب السخرية؛ يرمونها في حساباتهم هكذا بلا أدنى إحساس بفداحة النقل دون تثبت، وأفادتهم في ذلك خاصية أخرى يوفرها جهاز الكمبيوتر وهي (النسخ واللصق)، حيث أصبحوا الناقلون عن سماع والمدونون عن كوبي بست!

ختم الراوي قال: خطورة ناقلي السماع ليس في ممارستهم لسرقة الأفكار وتشويهها فقط؛ بل إن الخطورة الأكبر تظهر حين يتبنى آخرون هذه الأفكار (الأقوال، الأخبار، الآراء، التحليلات... الخ) معتمدين على (نجومية) السارق التي بناها على مدى سنوات من النقل والنسخ واللصق، وبالتالي خلق حالة من التشويش العام، مضافا لحالة تجهيل بالبعد عن المصادر الأصيلة والأصيلة لنشوء الأفكار وتبلورها وتكونها "القراءة والبحث والتثاقف الحقيقي"!

استدرك الراوي؛ قال: بعد سماعه جملة ساخرة وعابرة من (أحد الناس) يمكن للناقل عن سماع أن يلخص مستقبل العالم في ثلاث كلمات!


"وسط (الخراب) متصور"! ..

يحكى أن موقع (CNN) الإخباري الأمريكي اختار يوم أمس الأول إحدى الصور الانتخابية لحملة الرئيس السوري بشار الأسد، باعتبارها أكثر الصور إثارة للجدل في الفترة الأخيرة. وقد نشر الموقع الصورة مع تعليق جاء فيه: "قد تكون هذه أكثر صورة مثيرة للجدل لملصق انتخابي في العالم.. صورة الرئيس السوري، بشار الأسد، على مبنى محروق في بلدة حمص التي شوهتها المعارك”. والتعليق المقتضب يُسهل لنا نقل صورة قلمية لـ(الصورة الإعلانية) التي يبدو فيها الرئيس السوري مبتسما بزهو وهو يشغل مساحة لوحة بطول أمتار، ومن ورائه العلم السوري مفرودا، ويده اليمنى تحيي (الجماهير) وأسفل بدلته الأنيقة مكتوب "سوا منعمرها" أو ما يعني سنعيد تعميرها!

قال الراوي: الشيء الملفت في الصورة والذي دفع موقع (CNN) الإخبار للتعليق عليها باعتبارها الأكثر جدلا، هو أنها تنقل مفارقة كبرى تعكس واقع الحرب المدمرة الدائرة في سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولعب فيها بشار الأسد ونظامه الدور التصعيدي والتدميري الأكبر، فالصورة الانتخابية الدعائية التي تم تعليقها على هيكل عمارة سكنية مدمرة بالكامل، وتظهر عليها بشكل واضح آثار القذائف والدانات الصاروخية؛ الصورة وهي على هذه الشكل تبدو وكأنها دليل إدانة دامغ ضد صاحبها (الأسد) الذي يبدو عليها باسما لا مباليا بجرائمه ضد الشعب السوري!

قال الراوي: الصورة من جانب آخر تنقل هذه الحالة الغرائبية العجيبة التي يعكسها قادة وجنرالات الدول العربية وأغلب دول العالم الثالث، حيث يبدو السيد الرئيس (جنرالا كان أو مدنيا) متمسكا بكرسي الحكم ومتشبثا به بصورة تدعو للحيرة وإعادة التفكير ملايين المرات في المفاهيم المتعلقة بالسلطة والحكم والشعب والوطن في هذه البلدان ولدى حكامها وساستها؛ فالسيد الرئيس وإن أباد شعبه بأكمله، أو جوعه حتى الموت، أو (فرتق) البلاد وقزمها، أو تدهورت صحته للدرجة التي بات فيها عاجزا عن الكلام أو متحركا على كرسي مرضي؛ في كل هذه الحالات يظل هذا (الكائن) مصرا على الحكم والاستمرار إلى أبد الأبدين حاكما وكأنه خلق لهذا (المنصب) فقط!

ختم الراوي؛ قال: صورة بشار الأسد الانتخابية تجسد بالضبط الحالة السورية الراهنة، الخراب والموت والدمار؛ والديكتاتور المجنون الذي يتوسط كل ذلك فرحا بإنجازاته المتوهمة!

استدرك الراوي؛ قال: وسط (الخراب) متصور.. يا للعجب!



تحرش أم اغتصاب أم جنون جمعي؟ ..

يحكى أن من أكثر الأخبار الصادمة خلال الأيام الماضية مثلها فيديو متداول على قنوات ومحطات الأخبار العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي عرف بمسمى (واقعة تحرش جنسي في ميدان التحرير)، والواقعة حدثت في مصر في يوم تنصيب الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسي، ويظهر الفيديو تحرشا جماعيا (وحشيا) يصل إلى مستوى الاغتصاب يمارسه مجموعة من الشباب ضد فتاة وحيدة يقومون بتعريتها أمام (الكل) ويتسابقون للنهش من جسدها في منظر مقزز يدعو للتساؤل مليون مرة عن أي دوافع يمكن أن تقود أمثال هؤلاء لممارسة هذا الفعل غير المعقول والذي لا يمكن أن تجد له تفسيرا منطقيا بإدراجه تحت التوصيفات الجنسية على شاكلة (الكبت الجنسي)!

قال الراوي: أن يمارس عدد من الرجال هذا الفعل الغريب ضد امرأة وحيدة وبهذه الوحشية الهمجية في حين تأخذ مجموعة من الرجال موقف المتفرج والمراقب و(المصور) دون أن تبادر أي مبادرة لإنقاذ الضحية، فإن الأمر وبهذا الشكل يخرج من كونه مجرد اشتهاء شهواني أنتجته عوامل الكبت الجنسي ليدخل في حيز (الجنون)؛ جنون مجتمعي، جنون نوعي، جنون اضطهاد، جنون أخلاق، إلخ أنواع الجنون.

قال الراوي: هل تعكس واقعة الاغتصاب الجماعية في ميدان التحرير (الموثقة) صورة المرأة في الذهنية (الشرقية)؟ هل يفسر هذا العنف الشهواني المريض ما تمثله المرأة في هذه الذهنية؟ هل يعني الجسد (جسدها المشتهي) كل شيء بالنسبة للرجل وما دونه لا اعتراف به؟ هل تدلل هذه الحادثة من جهة من الجهات على مدى التخلف الذي تحياه هذه (الشعوب) التي منتهى طموح (رجالها) ملامسة (نهد) امرأة عارية وإن كانت مسحولة تحت الأقدام؟ وهل ما أظهره (الفيديو) من تعرٍ يعري هذا الواقع الفصامي الذي تحياه هذه الشعوب (من الخليج إلى المحيط)!

قال الراوي: المرأة بعد قراءة متأنية لهذه الحادثة ولحوادث أخرى مشابهة لها في مصر أو غيرها من بلدان المحيط؛ لا تعدو أن تكون مجرد (كائن) دوني يرفض المجتمع (الذكوري) الاعتراف بكينونته وتقديره والاعتراف بوجوده الإنساني، المرأة لدى هذه المجتمعات مشروع شهواني متصل لا نهاية له؛ ينفتح على أبواب العار والاغتصاب والإكراه، يدخل الجنة ويولج النار، لكنه هكذا أبدا في الحضيض!

ختم الراوي؛ قال: ما نحتاجه ثورة معرفية تجرف كل هذا الغثاء والقرف!

استدرك الراوي؛ قال: يا للنساء!



(اقتراح) من (ألوان الطيف) ..

يحكى أن مفردة (اقتراح) الموضوعة بين قوسين كعتبة أولى لهذا المقال، هي عنوان لأحد الأناشيد الشهيرة لفرقة (ألوان الطيف)، التي كانت تقدم أناشيد الأطفال ذائعة الصيت قبل عقد من الزمان تقريبا، وهي الفرقة التي لامست عصب الحاجة في هذا المجال باختياراتها الموفقة للأشعار المناسبة للصغار، وللطريقة الرفيعة ذات الأداء الطبيعي غير المتكلف و(الموهوب) الذي تقدم به "صغيرات الفرقة" الرائعات أناشيدهن البهيجة والهادفة وذات الأثر النفسي العميق؛ فناً وسلوكا ومعنى. في هذا النشيد الفريد تقول الفرقة في حالة (اقتراح): "رايكم شنو، لو كل زول في بيته نظم حوض للزهور"، و"رايكم شنو لو قاموا ناس الحلة حفروا الشوارع، عملوا الحدائق، زرعوا الزهور، في كل شارع، تصبح بلدنا تخطيطها بارع".

قال الراوي: هل هناك دعوة أجمل من هذا الذي قيل في هذا النشيد، هل هناك (اقتراح) أجدى وأروع من هذا الذي ينقله اللحن المموسق لصغيرات (ألوان الطيف) ممزوجا بأدائهن الطفولي المفرح والمبهج للنفس. يقول النشيد أيضا: "رايكم شنو لو زهرة طلت من سور جميل عاوز الشوارع تصبح زهور".. يا الله، هل هناك بهاء أكثر من هذا؟ هل هناك دعوة للمحبة أكبر من هذا.. أين هم الآن، صغيرات (ألوان الطيف)؟ أين هي الفرقة المتقدمة على كل (الوهم) الذي تحشو به الفضائيات أطفالنا الآن؟

قال الراوي: من الواضح لكل متابع لهذه الفرقة إبان كثافة إنتاجها وانتشار أناشيدها الجميلة، أن ربانها المؤسس الفنان عبد الحميد الشبلي؛ قد توصل في وقت مبكر إلى معادلة (المفيد / الفني) الموجهة للطفل في قالب جاذب يحبب إليه هذه المادة ويجعله منفعلا بها وتواقا لنقلها إلى أرض الواقع وتطبيقها بمحبة دون إحساس بالإملاء من الكبار، ودون شعور بالمدرسية التي تثقل (الأشياء) عند كثير من الأطفال لاعتقادهم بـ (إجباريتها كواجب ملزم) يتعارض مع طبيعتهم الميالة إلى الحرية والمرح بعيدا عن التعقيد والتزمت، وهذا بالضبط ما نجحت فيه (ألوان الطيف) في كل أعمالها ذات الأبعاد التربوية والتعليمية والوطنية (الملتزمة)!

ختم الراوي: قال: في نشيد آخر، أغنية أخرى؛ تقول عصافير (ألوان الطيف): "شوفوا بلدتنا الجميلة بيها نسعد يا أهل، أنت يا عزة أرضنا ليك رافعين الشعل، نحنا أطفالك كبرنا جينا نحميك بالعمل".. الوطنية في قالب الجمالي بأداء طفولي خالب وساحر.. من يسمع؟

استدرك الراوي؛ قال: ويقول النشيد: "يلا نعمل للوطن، يلا ما نضيع زمن.. أصلوا ما دايرين تمن".. يلا.


رحيلك محزن يا (باقي) ..

يحكى أن خبر رحيل الشاعر والكاتب الأديب عبدالباقي عبدالله، أدخلني في حالة من الحزن العميق بعد أن وصلني عن طريق "فيس بوك"، أو بالأحرى حين قرأته مصادفة خلال تصفحي المعتاد للموقع.. وجدت "بوست" النعي مرا وحارقا وبكلمات باكية في صفحة الصديق الكاتب والقاص عثمان أحمد حسن، قريب الشاعر الراحل وصديقه، وقتها سألت عثمان، إن كان المقصود هو صديقنا المشترك عبدالباقي، فأكد لي الخبر، ورفع من منسوب أحزاني وآلامي.. رحل عبدالباقي، هكذا، في صمت وبعيدا عن الأضواء، مثلما كان يحيا ويبدع وينشر الفرح والمحبة حوله أينما حل، بوجهه ذي الابتسامة المشعة دوما، وبعده عن الخوض في ما لا يعنيه، وغوصه العميق في كل ما هو أدبي وشعري وجمالي.

قال الراوي: قبل يومين أو ثلاثة من سماعي نبأ رحيل الصديق عبدالباقي، كنت أحدث أحد الأصدقاء عنه، صديق لا علاقة له بالشعر أو الأدب؛ لكن الموضوع كان يدور حول العمل والوظيفة والخيارات التي يمكن أن يوجدها الفرد لنفسه، وتحقق له إنسانيته وتقيه سؤال الآخرين وضيق الحياة، لاسيما إن كان ممن لهم علاقة بالإبداع والكتابة غير المرحب بهما وظيفيا وربما مجتمعيا.. قلت له، إن أكثر تجربة أبهرتني، تعود لصديق يكتب أجمل الأشعار وأبهى المقالات الأدبية، حين ضاقت به الوظيفة وفرص العمل ترك كل شيء واتجه إلى البناء، بدءا من عامل إلى أن وصل مرحلة معلم، وفي مرات مقاول يشرف على بناء بيت أو اثنين.. كنت أحدثه عن عبدالباقي، الذي كان يعجن المونة بيد ويبدع القصيدة باليد الأخرى.

قال الراوي: نشر الراحل عبدالباقي، الكثير من القصائد الشعرية البهية، والمقالات الثقافية والحوارات والدراسات النقدية، في الملاحق الثقافية بالصحف. الشاعر المهاجر الصادق الرضي، كان يحتفي به وبنشر أشعاره بشكل خاص، المحرر الثقافي مصعب محمد علي، كان أول من اكتشف القدرات الكتابية الهائلة لعبدالباقي، بعيدا عن الشعر المحض، وفي دائرة الشعرية الجمالية؛ للمقال، أو الحوار، أو البروفايل. أفرد مصعب قبل ثلاثة أعوام تقريبا مساحة ثابتة لعبدالباقي في الملحق الثقافي لصحيفة الوطن، مساحة أغنت الصحيفة، والكتابة الثقافية وأمتعت كل من تابعها.. رحيلك محزن يا (باقي).

ختم الراوي؛ قال: مع عثمان، وأحمد أبو حازم، وأصدقاء آخرين؛ نتمنى أن تجد أعمالك الشعرية طريقها إلى النشر أيها الشاعر الشفيف.

استدرك الراوي؛ قال: ارقد بسلام، يا صديقي الجميل.


يا رمضان ..


يحكى أن أيام قلائل تفصلنا عن الشهر الفضيل رمضان، ورمضان في الذاكرة السودانية الشعبية يرتبط تماما بالخيرات وتواردها وتوالدها، فالعمل في رمضان وإن جاء صيفا أو في أقسى الظروف المناخية أو الحياتية هو خير وبركة، ودعوة للتفاؤل ورمي كل هموم العام وراء الظهر، والنظر بخشوع تام وإيمان متجدد راسخ إلى أيام هذا الشهر وهي تنصرم يوما إثر يوم وكل يوم ينتهي بشربة ماء وحمدا لله على صيامه دون أي مانع شرعي، والخشوع الكبير والتعبد العظيم، يترافقان مع ارتفاع درجات الهمة في العمل ومضاعفة المجهود والنظر إلى كل "قرش" يدخل الجيب بأنه قرش مبارك في شهر مبارك نتاج عرق مبارك.

قال الراوي: المحكي عنه في فقرة المفتتح يتعلق بالتأكيد بأولئك "السودانيون" البسطاء، الكادحون، الذين يعملون في الأسواق الصغيرة، "سبابة- سماسرة"، وعتالة، وصغار تجار، وبائعي خردوات وخضار وتمور وبليلة وفول حجات وأشياء أخرى مكومة أكواما ووو، وهم أيضا أولئك الذين يشتغلون عمال بناء وفي طرق الحديد وتشكيله ونظافة الشوارع أو رصفها.. هم العمال في كل شبر من أرض البلاد.. رمضان عند هؤلاء بطعم حلاوة "جغمة" الماء الأولى مع كل إفطار.. ينتظرونه بلهفة ويعظمونه شديد التعظيم، يصومونه بحب، وتتضاعف لهم فيه الأرزاق.

قال الروي: ورمضان، المستحضر في هذه الزاوية بالتحديد، هو رمضان السوق، الأسواق الشعبية السودانية، المنتشرة في كافة المدن والأرياف، والتي تتحول في هذا الشهر العظيم إلى ما يشبه خلية النحل؛ إذ ترى الجميع يتحركون في نشاط وكأن الصوم ما هو إلا (طاقة) إضافية تضخ في أجسادهم وتمنحهم هذه الحيوية، وهذه القدرة على السعي وراء الرزق؛ مع الإيمان الكبير بأن اليوم لا يمكن أن ينقضي دون جني الربح وملء (كيس الأولاد – كيس الخضار، أو القفة في تلك الأزمان).. وكله متحقق في رمضان.

ختم الراوي؛ قال: هذه أشتات ذكريات، وردت مبعثرة في هذه الزاوية، بشكل عام وتفصيل – قد يتحقق خلال أيام الشهر – ذكريات تؤكد أن الحركة والسعي، لاسيما في الشهر المبارك، كانت من أسباب كثرة الرزق، وأن هذا الرزق كان موفورا لكل من أراد؛ كل ما عليك شحذ الهمة، وأن لا تركن إلى الكسل أو التناوم والانتظار؛ تحرك في رمضان، وتزود ببركته في بقية الشهور، وسترزق!

استدرك الراوي؛ قال: في رمضان هذا؛ قد تكون تلك الأسواق قد (ماتت)، وقد يكون (الدولار) قد التهم كل شيء؛ لكن لا شيء أيضا يوقف هؤلاء الناس عن الفرح بمقدمه والسعي في مجال بركته.. كل صوم والرزق متاح.



ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي