الأحد، 5 مارس 2017

روائيون وروايات “1” - منصور الصويم

روائيون وروايات “1”
منصور الصويم


*يحس قارئ رواية (الخريف يأتي مع صفاء)، لأحمد حمد الملك، بأطياف الروائي الكولومبي الشهير جابريل ماركيز، تحلق بين الصفحات، من حيث التقنية المستخدمة (دائرية الزمن وتشابك الوقائع وتداخلها)، وبناء الشخصيات (خوارقية السمات)، وهندسة العمل بأكمله على النسق الغرائبي – الفنتازي؛ فالرواية تذكر مع كل تقدم في القراءة بما عرف بـ (الواقعية السحرية)، تلك المدرسة التي أسسها ماركيز مع آخرين، وأسهم بالقدر الأكبر في انتشارها وذيوعها، بوصفها خيارا روائيا جديدا – حين تأسيسها – خرج بالرواية من نفق التكرار والتخندق في حيز الواقعية الغربية التي عانت من الاستهلاك والتكرار، وما أحدثه ماركيز ورفاقه – وأحمد الملك – أنهم أبدلوا الواقع الجاف بواقع سحري – فانتازي، مستفيدين من الكم الهائل للحكايات الغرائبية الشعبية المنتشرة في أمريكا الجنوبية، فدمروا بالتالي بنية الرواية الواقعية التقليدية بالكامل وأنتجوا بنية روائية تخييلية جديدة تؤسطر الإنسان وتغرب الوقائع دون أن تخل بالإطار العلائقي للبنى الحقيقية للمجتمع والدولة، وبالتالي إسقاط الواقعي في متن الغرائبي وتفسيره وفقا لذلك.
لكن برغم هذا الحضور الطيفي (الجميل) للعظيم ماركيز، إلا أن القارئ يتمكن، وبمرونة (سحرية)، من التملص من السطوة الماركيزية، ليمسك بأسلوبية أحمد الملك، المدونة بغرائبية لها خصوصيتها وتفردها، تضعه مباشرة أمام روائي متمكن يتلاعب بالجملة الواحدة لتستطيل وتلتف حول الصفحات في بناء جمالي مبهر ومدهش.
في (الخريف يأتي مع صفاء)، صعد الملك بالرواية السودانية إلى ذرى الإبداع الغرائبي، مازجا اللغة الشعرية (الرهيفة) بلغة حوار حكائي بات غير متوفر في هذا الأوان؛ حوار الحبوبات وسحرية حكيهن ودفء محبتهن. هذه رواية عظيمة تستحق الالتفات مرات ومرات.
* ربما رمى الروائي عادل سعد، من وراء كتابته لرواية (أتبرا خاصرة النهار)، إلى التوثيق الجمالي لمدينة عطبرة (بلد الحديد والنار)، إلى رصد ما أغفله التاريخ الرسمي عن حياة وتطور هذه المدينة ودورها في النضال الوطني على مدار التاريخ السوداني الحديث. كتبت (أتبرا خاصرة النهار)، بلغة تقترب، في كثير من نواصيها، من الشعر المحض، بيد أنها حفلت بالروي المشوق، الذي يأتي، غالبا، في شكل حكي متداعٍ، مرموز ومكثف، هذا التداخل (السردشعري)؛ أنتج عملا جماليا نادرا، لا سيما في مآلاته التفسيرية للواقع المجتمعي وتحولاته في هذه المدينة الرمز. هذه رواية أخرى بديعة تستحق وقفات نقدية ناجزة.
* في رواية (الأسرار) للروائي عبدالفتاح عبدالسلام، تتقاطع حياة البطل – المغترب مع حياة بطل (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، فالاثنان غارقان في اللاجدوى واللامعنى. الاختلاف بين الروايتين فرضه الفضاء المكاني لكليهما، وما يحيل إليه من معانٍ، فبينما تدور الغالبية العظمى من أحداث (موسم الهجرة إلى الشمال) في بيئة منفتحة داخل بلد ديمقراطي يمجد “المعرفة والعلم”، تدور أحداث رواية (الأسرار) في بلد منغلق وسط مجتمع منكفئ على ذاته، لا يقبل الجديد ولا يرنو إليه؛ لذا يبدو بطلها – عكس مصطفى سعيد – متحفظا بدوره ومنكفئا على ذاته، يجوس بين ركام ظلامه الخاص محاولا تبديد وحشة الروح بمعاقرة الخمر ومراودة النساء المستحيلات.. (الأسرار) رواية صغيرة الحجم، مسرودة بتكثيف ضاغط كأنها صفحة من كابوس باهر مر قريبا من هنا.
لو قدر للمرء أن يكتب في مساحة أطول لكتب عن الثلاثة بوصفهم أثافي للسرد ما بعد التسعينيات، لكن سنترك هذا للنقاد في مساحات أوسع للكتابة!


ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي