الاثنين، 13 مارس، 2017

السينما بـ (السماع) - منصور الصويّم

السينما بـ (السماع)
منصور الصويّم

هل حدث أن شاهدت فيلما سينمائيا سماعا؟ مشاهدة كاملة، أحداث وصور وأغانٍ وحدودة طويلة عريضة، كل هذا عن طريق الأذن فقط وبالألوان (كمان). ربما حدث لك هذا الشيء من قبل، مثلي، وربما لم يحدث لك ولا يمكنك تصور إمكانية حدوثه من الأساس، فالسينما تتطلب أول ما تطلب حضورا شخصيا أمام الشاشة حتى يتسنى لـ (المشاهد) متابعة أحداث الفيلم لحظة بلحظة من البداية وحتى النهاية، فالسينما قبل كل شيء هي فن الصورة، وجمالها يتحقق من القدرة الهائلة التي تحدثها الصورة تأثيرا على المتلقي، أما أن يشاهد أحدهم السينما سماعا فذلك بلا شك فن آخر.
في مرحلة الطفولة، وأنا ابن الخامسة أو السادسة تقريبا، مررت بهذه التجربة العظيمة، أعني دخول السينما بالسماع. وقتها لم يكن مسموح لنا ونحن في هذه السن بدخول السينما دون مرافق من الكبار، وهذا أمر طبيعي وعادي ولا غرابة فيه، لكنا كنا مشدودين بشكل غريب للسينما وأفلامها المعروضة (سينما نيالا)، وكنا نحفظ كل أسماء الأفلام وأسماء أبطالها، لاسيما الأفلام الهندية والكاوبوي وما كان يعرف بأفلام (الجاسوسية). هذا الشغف الغريب بالسينما في هذه السن نجم عن صداقة (معقدة) جمعتني بمجموعة من الأطفال ممن يطلق عليهم (الشماسة)، ولم يكونوا كذلك تماما، وإن كانت لهم مساحة حرية كبيرة في التنقل والتجول وحتى السفر أحيانا بالقطار من نيالا إلى العاصمة الخرطوم وبالعكس. لم يكونوا مشردين ولم يكونوا منتمين بالكامل، روابط أسرية مفككة خلقت منهم هذا الوضع الوسط، الذي دفع البعض (الكبار) إلى أن يصفهم بالشماسة وبالتالي محاولة إبعادنا عنهم رغم حبنا الكبير لهم ولحكاياتهم وقصصهم وحريتهم بالطبع.
مع هؤلاء الأصدقاء، تحققت تجربة (السينما بالسماع)، كنا نجلس حول أحدهم وهو يحكي لنا تفاصيل الفيلم بتشويق عجيب مع إرفاق كافة المؤثرات الصوتية والموسيقية، ونقل كل الانفعالات العاطفية التي تمر بـ (البطل وحبيبته ورئيس الخيانة وجماعته)، كنا نشاهد بالكلمات الراقصات الهنديات يرقصن على سطوح القطار وبين الورود والزهور، وبعين الكلمات كنا نشهد أخطر المعارك بين (سرتانا) البطل الكابوي ضد الخونة، ونخطف معه بذات السرعة والخفة مسدسه من الجراب ونطلق الرصاصات لنصرع الجميع.. الفيلم، أي فيلم، كنا نشرع في مشاهدته أمامنا أثناء الحكي، ثم نستعديه مرة أخرى في الليل قبل النوم، منفعلين ومنبهرين.
كثير من الأفلام التي شاهدتها سماعا أتيح لي – بعد أن كبرت – أن أشاهدها مرة أخرى أمامي على الشاشة، لكنها لم تكن قط بحجم لذة مشاهدتها الأولى عبر الأذن حكيا وإمتاعا.
زاوية (أساطير صغيرة) – اليوم التالي

*الصورة – سينما نيالا    

ليست هناك تعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ مدونة منصور الصويم 2016 | تصميم : رضا العبادي